نقولا ناصيف

اختباران اثنان على الأقل في 15 يوماً، منذ انتخاب الرئيس ميشال سليمان، يمكن عبرهما استخلاص الأسلوب الذي يريد سليمان وسم حكمه به تحت شعار ردّ الاعتبار إلى الرئاسة الأولى. ومع اتسامهما بطابع محض أمني، أبرزا مجدّداً دور رئاسة الجمهورية واستعادتها صلاحياتها الدستورية وموقعها في سلّم السلطات:
أول الاختبارين، وضع حدّ للاجتماعات الأمنية الاستثنائية الموسّعة التي كان يترأسها رئيس الحكومة المستقيلة فؤاد السنيورة من خلال مجلس الأمن المركزي الذي كان يُدعى إلى الانعقاد في السرايا، فيما رئيسه الفعلي وزير الداخلية حسن السبع يترأس اجتماعاته الدورية في مقرّ الوزارة. وفي الأيام الـ15 الأخيرة استعاد مجلس الأمن المركزي دوره في وزارة الداخلية مرتين في اجتماعين استثنائيين اتخذت فيهما قرارات أمنية مهمة. أولهما في 26 أيار غداة انتخاب رئيس الجمهورية عندما شهدت بيروت غزوة الدراجات النارية، وثانيهما الأسبوع الفائت في 5 أيار لمواجهة اعتداءات كان قد تعرّض لها أنصار تيار المستقبل. ولا تعدو إعادة تنظيم أعمال مجلس الأمن المركزي كونها حلقة في إطار فصل دوره عن الدور الذي أعطي إياه في السنة ونصف السنة الأخيرة وكاد يجعله نظيراً للمجلس الأعلى للدفاع الذي يترأسه رئيس الجمهورية. ذلك بأن السنيورة دعا قبل حقبة الفراغ الدستوري وفي أثنائها، أكثر من مرة، الوزراء والضباط الكبار الذين يتشكّل منهم المجلس الأعلى إلى اجتماعات أمنية في السرايا كانت أقرب إلى اجتماعاته التي تنعقد قانوناً قصر بعبدا منها إلى مجلس الأمن المركزي، وإن أدرجها في سياق اجتماعات أمنية، وكان الغائب عنها رئيس الجمهورية.
وإذا بدا في وقت من الأوقات أن الصلاحيات الرئاسية أعطيت استثنائياً لمجلس الوزراء وكالة إبان الشغور الرئاسي، لكنها أضحت الآن ملغاة بعد انتخاب رئيس جديد. لم يخف سليمان حينذاك ـــــ وكان لا يزال قائداً للجيش ـــــ انزعاجه من طريقة انعقاد تلك الاجتماعات التي حضر بعضها وأناب عنه ضباطاً لبعضها الآخر، ولم يستجب طلب حكومة السنيورة إعلان حال الطوارئ على أثر حوادث الشياح ـــــ مار مخايل في 27 كانون الثاني الفائت، في غياب انعقاد المجلس الأعلى للدفاع برئاسة رئيس الجمهورية.
ثاني الاختبارين، إبقاء سليمان عينه على الجيش ريثما يُعيّن قائد جديد له بعد تأليف الحكومة الجديدة. ورغم تعيين رئيس الأركان اللواء شوقي المصري قائداً للجيش بالوكالة، واقع الأمر أن رئيس الجمهورية يتصرّف من قصر بعبدا على أساس أنه قائد الظلّ للجيش، على نحو ما كان يفعل الرئيس فؤاد شهاب بعيد انتخابه عندما وضع الجيش عام 1958 في عهدة رئيس الأركان الزعيم توفيق سالم وكالة، وبعدما عيّن اللواء عادل شهاب قائداً له عام 1959 كان قائد الظلّ. والواضح أن المسؤولين والسياسيين يطابقون في سليمان الموقعين معاً لأنه القائد السابق والرئيس الجديد المعني المباشر بالمؤسسة العسكرية حيال الوضع الداخلي وحساسية الدور الذي يضطلع به الجيش. وكان أبرز مؤشر لهذا التطابق أن رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري أرسل نسخة من ملف التجاوزات الأمنية التي اتهم حزب الله وحركة أمل بارتكابها في حق سنّة بيروت إلى الجامعة العربية ورئيس الجمهورية الذي أحال بدوره الملف على رئيس الأركان شوقي المصري لتحديد الموقف. بعد توقيعه مرسوم ترقيات الضباط ـــــ وفي الغالب يكون أول مرسوم يصدر في عهد جديد هو تأليف أولى حكوماته ـــــ أكد الرئيس أنه لا يزال قائد دور الجيش.
ورغم أن من المبكر تلمّس نهج حكم سليمان ومعاونيه المسموعي الكلمة لديه، يرى بعض القريبين منه أنه لا يكتفي بردّ الاعتبار والاحترام إلى رئاسة الجمهورية فحسب، بل يسعى إلى عدم خوض مواجهات سياسية كبيرة ومكلفة نظراً إلى دقة الوضع الداخلي، وكونه يمثّل نقطة جذب في توازن القوى الذي أرساه اتفاق الدوحة بين الموالاة والمعارضة. وتعكس هذا الموقف ملاحظات أبرزها:
1 ـــــ خلافاً لقوى 14 آذار والمعارضة، يلزم سليمان الصمت حيال هوية وزرائه الـ3 حتى بإزاء رئيس الحكومة المكلف الذي لا يعرف حتى الساعة هؤلاء، ما خلا وزير الدفاع إلياس المر بعدما كشف بجزم والده النائب ميشال المر توزيره. أضف أن علاقة سليمان بالمر الابن تجعل توزيره خياراً غير قابل للمساومة. تبعاً لذلك، يعكف السنيورة على تأليف حكومة من 27 وزيراً بعدما استثني منها وزراء الرئيس، ليست أسماؤهم جزءاً من بازار المساومة والتلاعب والتجاذب، وليست للترويج، ولا للتعويل عليها لإحراق أخرى بها أو حتى للتمنين بإبقائها.
2 ـــــ رغم العقبات التي تواجه تأليف حكومة الوحدة الوطنية، فإن أحداً لا يسعه تحمّل وزر تخريب اتفاق الدوحة وتعطيل تنفيذ البنود المتبقية منه، وقد ألزم توقيعها. يعزّز الاعتقاد لدى سليمان أن الحكومة ستتألف وفق المعايير التي أفضى اليها توازن القوى الجديد بعد حوادث 7 أيار، انطلاقاً من الحصص التي حدّدها الاتفاق لطرفي النزاع عدداً وحقائب.
3 ـــــ يدرك سليمان أن لا موطىء قدم في 3 طوائف هي: السنّة والشيعة والدروز بمعزل عن زعمائها، ولا دخول له في لعبة الخلاف السياسي بين المسيحيين إلا إذا شاء أن يكون طرفاً ثالثاً في هذا الخلاف. وهو غير قادر على استقطاب الطرفين الآخرين أو أحدهما إلى موقعه هو. يحتّم ذلك عليه البقاء عند مسافة متساوية من الموالاة والمعارضة كي يكون حاجة لكل منهما في تسجيل نقاط سياسية على الآخر، لا قوة ترجّح إحدى الكفتين.
بل في واقع الأمر، فإن التوازن السياسي الجديد الذي أحدثه اتفاق الدوحة، وكذلك ترجمته الفعلية في حكومة الوحدة الوطنية وانتخابات 2009، سيؤدي عملياً إلى اختفاء تسميتين استنزفتا اللبنانيين في السنوات الثلاث المنصرمة: قوى 8 آذار وقوى 14 آذار. الأولى أوجبها تأكيد استمرار التحالف مع سوريا وتثبيت سلاح المقاومة ورفض الاستئثار بالسلطة، والأخرى التزامها تطبيق القرار 1559 والمحكمة الدولية.
وهكذا انتهى اتفاق الدوحة بحقائق لصاحبي التسميتين: خرجت سوريا من غير أن تعود، وإن رجعت ـــــ أو سترجع ـــــ إلى السلطة «ملائكتها»، وشقّت المحكمة الدولية طريقها إلى كشف القتلة، وبات وجود سلاح حزب الله لا مصيره جزءاً من الاستقرار الداخلي بعدما تحوّل الاختلاف عليه واستفزازه مبرّراً لاستخدامه من أجل الدفاع عنه.