غسان سعود

على هامش التشاور حول تأليف الحكومة، يقاتل كثيرون ليؤمّنوا استمرارهم السياسي سواء عبر خدمات هذه الوزارة أو لقاء التخلي عنها. ووسط هؤلاء، يبرز النائب ميشال المر لاعباً يجد نفسه مضطراً للمرة الأولى منذ أربع سنوات لخوض تحدّ كهذا نتيجة الوقائع التي تهدد وجوده السياسي برمّته.
في التفصيل، رغم مكابرة المرّ الأب وتوزيعه التطمينات إلى كون مقعد ابنه إلياس في اليرزة مضمون، يعترف أقرب الناس إلى النائب المتني بعد دقائق قليلة من النقاش، بأن ما من مشروعيّة لطلب المر حقيبة سياديّة مثل وزارة الدفاع. وذلك لسببين أساسيين. الأول، أن حجم المر النيابي (نائب واحد) لا يبرر له طلباً كهذا، مقارنة بحجم تكتلي المعارضة (أكثر من خمسين نائباً) والموالاة (أكثر من ستين نائباً). والثاني، أن مواقف المر السياسيّة الملتبسة تضيِّع الناس المنقسمين أصلاً بين المعارضة والموالاة، أو أولئك الذين هم على مسافة واحدة من الفريقين، مثل رئيس الجمهوريّة. إضافة إلى أن اتفاق الدوحة الذي يظلّل المداولات الحكومية الحالية لم يلحظ بنداً خاصاً بآل المر يتوقف عند خصوصيتهم العائلية والمناطقيّة، ويساويهم بالزعامة الجنبلاطيّة أو الحريريّة.
ويشرح أحد أصدقاء المر أن أبو الياس يعرف منذ أشهر حجم التحدي الذي ينتظره. وقد تأكد من رفض المعارضة القاطع توزير ابنه ضمن حصتها، نتيجة تراكم المواقف السلبيّة وآخرها في موضوع شبكة حزب الله للاتصالات، التي كشفها المر وسرَّبها للإعلام. وفهم عدم استعداد الموالاة لتقديم أيّة حقيبة وزاريّة للمر في ظل الصراع بين مسيحيي 14 آذار على الحصص، وسط مؤشرات دلّت المرّ الأب على أن ما يصحّ في الطبخة الحكوميّة سيصحّ في طبخ اللوائح الانتخابيّة لاحقاً. بمعنى أن إلياس، نائب آل المر المرتقب، لن يجد مكاناً لا على لائحة عون ولا على لائحة الرئيس أمين الجميّل والنائب السابق نسيب لحود. وهكذا سارع أبو إلياس إلى تبنّي ترشيح العماد ميشال سليمان، واضعاً كل إمكاناته في تصرف وصول الأخير إلى بعبدا، آملاً أن يكرر في عهده دور العرّاب الذي لعبه مطلع عهد لحود.
لكن هذه الاندفاعة فوجئت بثلاثة مطبّات، بحسب أحد المقرّبين من المر. أولها، وعي سليمان إلى كون وصوله لبعبدا هو نتيجة تقاطعات دوليّة، لا يمكن بضعة رؤساء بلديات ومخاتير، وعشرات اللافتات والأغاني والزجليّات أن تؤثر فيه، مع لحظ فشل المر بتأمين حالة شعبيّة تشبه، ولو بعشرة في المئة، الحالة الشعبيّة التي التفّت حول لحود (وبالتالي حول المر) في مطلع عهده. وفشل المر بإقناع ولو نائب واحد بالخروج معه من تكتل التغيير والإصلاح، إضافة إلى تعثر إنشائه تجمعات أهليّة مؤيدة للرئيس وضاغطة على عون.
ثانيها، حذر الموالين في التعاطي مع «صانع الرؤساء»، وعدم المسارعة إلى تلقف حركته الانفصالية وتبنّيه، وبالتالي خسارة ثقة النائبين السابقين نسيب لحود وغبريال المر، مقابل مدِّ اليد لزعامة لا أحد قادر أن يحدد حجمها الحقيقي. مع العلم بأن خطوة كهذه كانت ستترك آثاراً سلبيّة داخل حزب الكتائب حيث يرفض سامي الجميِّل رفضاً قاطعاً أي تحالف أو تنسيق مع من يصفهم بـ«عملاء سوريا».
ثالثها، تفاجؤ المر بما حصل في 7 أيّار من تغيّر لموازين القوى السياسيّة. وإغلاق السوريين الباب في وجه سؤال المر عمّا يمكن أن يفعله.
لاحقاً ــــ يقول أحد نواب المتن السابقين ــــ تراكمت الخطوات المتعثرة، من اكتشاف الأرمن لدور المر السلبي بحقهم خلال التفاوض على تقسيم بيروت، مروراً بإقناعه الأفرقاء أن حقيبة الداخلية يفترض أن تكون لرئيس الجمهورية قبل أن يفاجأ بالفيتو الحازم من المعارضة والموالاة على إسناد هذه الحقيبة لابنه. وصولاً إلى اكتشافه أخيراً أن سليمان الرئيس هو غير لحود الرئيس (على أكثر من صعيد)، وتلمسه أن حول سليمان أصدقاء شبَّ معهم وشاب، ووسط هؤلاء من يماثل المر وأكثر في الخبرة والحنكة السياسيتين. ومنهم من هو قادر على إقناع الرئيس بأن «أسلوب المر في بناء الزعامة وتأسيس الكتل النيابية قد يكون أسرع الطرق لإحراقه وتحويله بسرعة قياسيّة إلى لحود آخر».
أمام هذه المفاجآت التي توّجت بتلمس المر أن عون عاد من الدوحة أقوى من أي يوم سابق، يقول مسؤول حالي في ماكينة المر، إن أبو إلياس راجع حساباته وأعلن التمسك بحقيبة الدفاع التي يحتلها ابنه منذ ثلاث سنوات، وقد استثمر مع والده خلال خمسة عشر عاماً كل خيراتها التنفيعيّة. وبالتالي فإن القصد من طرح إلياس في هذه الوزارة وليس في إحدى الوزارات الخدماتيّة التي تسمح للمر بتعزيز شعبيّته ليس الحصول على الحقيبة، وإنما التوصل إلى تسويتين، يرعاهما رئيس الجمهوريّة، الأولى إبعاد اللواء عصام أبو جمرة، وزير الدفاع المتوقّع، عن المتن في الانتخابات النيابيّة المقبلة بعدما تناهى إلى سمع المر عن نيّة التيّار ترشيحه في المتن الشمالي كقطب أرثوذكسي قادر على منافسة آل المر. والثانية، الاتفاق مع العماد عون على ترك مقعد فارغ على لائحته يأمل المر الأب أن يشغله ابنه.
واليوم، يقول المتابعون، يجري النقاش الحقيقي على هاتين النقطتين. في وقت تقول فيه معطيات المعارضة إن تحجيم حزب الله لتيار المستقبل والحزب الاشتراكي كان جزءاً من قرار المعارضة بتحجيم لائحة طويلة ممّن أساؤوا تقدير أحجامهم. وعلى رأس اللائحة، بعد المستقبل والتقدمي، ميشال المر وابنه، اللذان، وبحسب الأرقام الانتخابيّة المتنيّة، تكاد شعبيّتهما لا توازي حجم نائب.

غداً: كيف ورّط الابن أباه