يكاد الأمر يتحوّل إلى ظاهرة، وإن رفض علم الاجتماع تسميته كذلك. تلميذات في الـ12 أو 13 من العمر، متفوقات في صفوفهن الدراسية، يبدأن بالتراجع لأسباب غامضة في البداية. يغبن عن المشاركة وتتدّنى علاماتهن، يتبرّجن وينتحين ﺁخر المقاعد في الصف... ثم ينتقلن إلى عشّ الزوجية!


إنعام فقيه

صابرين هادئة ومهذبة، كانت من الأوائل في الصف السابع في مدرسة العمروسية الرسمية، لكنها، مع نهاية العام الدراسي، لم تتجاوز صفها إلا بمعدّل النجاح فقط. مع انتقالها إلى الصف الثامن، انتحت الزاوية الخلفية من الصف وتغيّبت كثيراً. لم تمرّ أشهر على بدء السنة الدراسية حتى انتشر خبر خطوبتها، وخلال أيام عادت صابرين إلى المدرسة بشعر مخصّل الألوان زاد على عمرها سنوات، وفي إصبعها خاتم خطوبة.
زميلاتها المقرّبات رحن يوزّعن الشوكولا على تلاميذ الصف والمعلمات اللواتي تمنين لها السعادة و«عقبى للباقيات»، فيما غضب المدير معترضاً على التصرّف لأنّ المناسبة خاصة.

من «الحب» إلى «التدبير»

كانت هذه التجربة الثانية لصابرين بعد فشل ارتباطها الأول، بسبب فارق السن بينها وبين العريس السابق. فهي كانت في الثانية عشرة من عمرها وهو في السابعة والعشرين. تعرّفت إليه عبر الشرفة عندما كانت تخرج لتنظفها أو لتدرس. كان متفرّغاً في الجيش اللبناني ويخدم في نهر البارد ويؤذن يوماً واحداً في الأسبوع. بعد فترة من الخطوبة راح يعتذر عن الحضور لرؤيتها ففشل في «امتحان العاطفة» وانفصلا. العلاقة الثانية جاءت سريعة، هي لا تعرفه لكن والدته كانت تتردد لزيارتهم فأُعجبت بصابرين، وبعد أن تأكدت من موافقة ابنها على العروس فتحت الموضوع مع الوالدة التي بدورها أخذت مباركة الوالد واتفق الأهل على الخطوبة.
في لقائهما الأول في المنزل أمام أعين الأهل، سألها «كم عمرك؟ أي مدرسة؟ هل كان لك علاقات سابقة؟ وهل لا يزال خطيبك السابق يتعرض لك؟». هو في العشرين من عمره، موظف في إحدى الشركات وغير مضمون. لا تعرف صابرين كم يتقاضى أجراً لكنها تعلمت كيف تحافظ عليه «بلسانها الدافئ وحديثها الموزون واحترامها لذاتها» كما تقول. تمت الخطوبة قبل سفر والدها إلى أفريقيا بأيام لقاء مقدم مهر يقارب الألف دولار، وحالياً يعمل العريس على تقسيط شقة، إلى أن تكون صابرين حصلت على الشهادة المتوسطة.
مثلها ليال، لا يمكن أن تتجاوز الشهادة المتوسطة إذا لم تعط اهتماماً أكثر لدراستها التي تحاول تعويضها بعد إهمال ثلاث سنوات مرّت فيها بأربع تجارب ارتباط فاشلة.
كلّ مرة كان الانفصال يتم بضغط من الوالدة التي لا تريد لابنتها أن تكرر تجربتها الفاشلة بالزواج في سن مبكرة، وهي التي تزوّجت في الـ14 من عمرها وانفصلت بعد سنوات قليلة.
تعيش ليال في بيت جدّها لأبيها، مشتتة بين أمها التي تسكن منطقة الرحاب، ووالدها الذي لا يفوت فرصة لتزويجها في حي السلم. تجد في الخطوبة هرباً من مشكلات الأهل والكآبة، وتنوي عقد قرانها بعد تقديم امتحانات الشهادة المتوسطة على ابن عمها العشريني، الذي يساعدها تغيّبه عنها شهوراً بسبب ظروف عمله، للتفرغ للدراسة. تقرّ ليال بخوفها من الزواج، وخصوصا أنها ترغب في متابعة تحصيلها العلمي، وأنها لا تعرف الكثير عن خطيبها الذي تلتقيه لفترات قصيرة.

فشل متكرر

أما عدرا (15 عاماً)، فقد مرّ عام على ارتباطها بأخ زميلها في المدرسة. سبق ذلك تجربة فاشلة بسبب اختلاف الطائفة الدينية. خطيبها في الخامسة والعشرين ويعمل في مصنع للأحذية. تكشف وجود مشكلات بينها وبين أهلها الذين يعارضون زواجها المبكر رغم مرورهم بتجربة تزويج أختها الكبرى أيضاً بسن مبكرة من شاب تركي. تضاف إلى معارضة الأهل نصائح أختيها اللتين تكبرانها، لكنها وجدت حلاً يطمئن أهلها وهو الخطوبة من دون عقد قران، ما يوفّر لها فرصة التعرّف إلى شريكها أكثر، لا سيما أنها تجهل الكثير عن مبادئه وحياته.
الوحيدة التي ارتبطت بعقد قران كانت رقية مشيك، في الصف الثامن. هي مرتبطة بشاب مسيحي، ولقد تكللت في الكنيسة وعقدت قرانها عند شيخ، لكنها لا تنصح البنات بالارتباط بسن مبكرة لأن «البنت تكون مبهورة في البداية ولا تملك الوعي». تؤكد عدم تأثير الارتباط على دراستها، لأنها أصلاً غير ناجحة. إجاباتها مختصرة جداً وتكاد تقتصر على نعم ولا، بالكاد تعرف منها أنها تعرفت إلى خطيبها في أحد الأعراس «عمره 26 سنة، متفرّغ في الجيش اللبناني»، عمتها كانت الواسطة في تدبير التعارف وتمت الخطوبة بعد التأكد من انفصاله عن خطيبته السابقة. رقية تؤكد «شائعة» ارتباط أختها الصغرى فاطمة، (الصف السادس)، التي لم تحفظ جدول الضرب بعد.

غياب الحب

تتفق آراء علماء الدين والنفس والاجتماع على ارتفاع معدل تأخر سن الزواج، وتردّ أسباب هذه الطفرة من علاقات الارتباط المبكر إلى الجانب الاقتصادي. يبدو ذلك واضحاً في الحالات التي تناولها التحقيق: ففي حالة صابرين، أكبر إخوتها، يمثّل عمل الأب الدخل الوحيد لأسرة من خمسة أفراد يقطنون بيتاً بالإيجار في محلة حي السلم. كذلك والد عدرا الذي يعمل في صيانة أدوات الصرف الصحي، وقد تعرّفت إلى خطيبها عندما ساعدهم في استئجار منزل بعد عدوان تموز.
يرى الشيخ صلاح العس أن الدين الإسلامي لم يحدّد سناً معينة للزواج «إنما يُترك ذلك لتقدير الأشخاص، لكن لا مانع شرعياً من الزواج بعمر الـ12 سنة»، ويجد أن الارتباط المبكر «قد يكون حلاً لدى بعض الفتيات المراهقات». وهنا يلتقي مع علم النفس الذي يرى المتخصصون فيه أن «الارتباط المبكر ربما يكون تعويضاً عما تفتقده الفتيات من الحنان والحب والاهتمام داخل الأسر ذات الأعداد الكبيرة، أو هروباً من الأوضاع الضاغطة والبؤس والكآبة وضغط الأهل» كما في حالة ليال.
لكن في مراجعة لمعظم الحالات الواردة أعلاه، لم يلحظ لدى أي واحدة أي إشارة إلى دافع الحب. الفتيات لم يكترثن بالفشل وبادرن سريعاً إلى الارتباط بآخر، فالمسألة أصبحت تعوّداً، إن بالنسبة لليال أو لعدرا.

طفرة لا ظاهرة

يبقى لعلماء الاجتماع تقديرهم الخاص لمثل هذه الحالات في أوساط معينة. تحاول الدكتورة حلا نوفل، أستاذة الدراسات السكانية في معهد العلوم الاجتماعية الفرع الأول، أن تحصر هذه الطفرة بمصطلح «حالات لا يعرف مدى انتشارها، وهي بحاجة إلى رصد ودراسات ميدانية للتقدير إلى أي مدى كانت منتشرة وكيف استمرت أو تطورت».
من المعروف أن الخطوبة في بلد كلبنان هي «مرحلة سابقة للزواج لا تنتهي أحياناً إليه، لا سيما في أعمار متدنية»، لكن بالإضافة إلى الوضع الاقتصادي الخانق لدى الأسر في أوساط معينة، «تسود أيضاً عادات وتقاليد خاصة وظروف اجتماعية مؤاتية من حيث تدني المستوى التعليمي للأهل، ما يشجع بشكل مباشر أو غير مباشر الفتيات على الإقبال على هذا النوع من الارتباط». وترى نوفل أن «انتشار هذه الحالات في أوساط معينة كالضواحي والأطراف، وفي ظل عدم امتلاك معطيات كاملة وأدوات قياس دقيقة عن مدى انتشارها وتمدّدها، يستلزم اهتماماً خاصاً من المدارس، وجهوداً يبذلها المجتمع المدني والجمعيات لمحاصرة هذا النوع من الارتداد عن التحصيل العلمي، إضافة إلى دور أساسي للإعلام في تعميم الوعي لدى الفتيات».



«زتّي عنك هالمريول»

لا تخلو «طفرة» علاقات الارتباط المبكر للفتيات في بعض المدارس الرسمية من دلالات اجتماعية لافتة تستحق الدراسة. الأسئلة البادية على السطح تتلخص في معرفة هواجس مراهقات، معتدّات بجمالهن وصباهن الفائض عن قدرتهن على الاحتمال في ظروف وأوساط تحاصرهن.
بالنسبة إليهن، المصادر الثقافية هي موروثات لم تتبدّل، مصدرها الأول الأهل الذين سبقوا الأولاد في هذه التجربة، ولم يتمكنوا من استخلاص العبر، فالبنات «مهما تعلّمن آخرتهن إلى المطبخ»، «واللي ما بتلاقي ع زغير ما بتلاقي ع كبير»، و«بياخد زغيرة ت يربيها ع ايدو».
المصدر الثاني، المدرسة. والأخيرة غير قادرة على الإجابة عن مثل تلك الأسئلة اللاصفية في حياة البنات. ماذا يمكن أن تقول لـ«السيدة» رقية التي تنتقل من مقعد إلى آخر من دون أن تعرف المعلمة ماذا يدور من أحاديث بينها وبين زميلاتها الصغيرات في السن، معيقات شرح الدروس؟ وكيف لك أن تقنعها بأن الكعب العالي وطلاء الأظافر الفاقع وتلوين الشعر لا يقدّم في تحصيل العلم بل يؤخر؟ وهل للمعلّم أن يحاسبها إذا تغيبت مثلاً لتأمين الفستان الأبيض ومستلزمات العرس الذي أصبح داهماً؟
مصدر ثالث هو البيئة التي يتحرك في فضائها هؤلاء الفتيات، والمصدر الأخطر، وربما الأبرز، هو حياة كاملة من الحب، الشهرة، الموضة، الصد، الهجر، العذاب، الشك والغيرة تعيشها الفتيات في دقائق من الكليبات المصورة على مدى 24 ساعة من البث اليومي، يتلخص في أغنية ضربت ذات يوم: «زتّي عنك هالمريول».