حماسة دوليّة لتعميـم نموذج الباردثمّة وجهة نظر تقول إن تعهدات المؤتمرين في فيينا صبّت جميعها في خانة التأسيس لواقع فلسطيني جديد في لبنان، يصبح فيه الاستقرار أسهل، وظروف الحياة أفضل، ما دام الفلسطينيون يرضون بالتخلي عن سلاحهم والتزام توجيهات القوة الأمنية اللبنانيّة في مخيماتهم


غسان سعود
في ردِّه على سؤال الصحيفة النمساوية نهاية الأسبوع الماضي عن توقعاته في شأن عودة الفلسطينيين إلى وطنهم، يغسل الرئيس فؤاد السنيورة يديه ويرمي الكرة في ملعب الفلسطينيين، مؤكداً أنّهم هم من يتخذون القرار. فقد «أعطتهم الأمم المتحدة حق العودة، وهم أحرار في الاتفاق على ما يريدون». قبل أن يستدرك ويكرر المعزوفة الشهيرة بأن لبنان لا يمكنه قبول التوطين لأسباب ديموغرافيّة معروفة، داعياً إلى «تغيير سلوكيات مختلف الأطراف، وتحسين العلاقة بين الفلسطينيين في مخيم نهر البارد واللبنانيين في القرى المجاورة للمخيم».
وفي المقابلة نفسها، يستعيد السنيورة كلاماً يمينياً قديماً عن «تحمل لبنان أعباءً فاقت طاقته، وأكثر من أية دولة أخرى»، شارحاً لمحاوره أن «المخيمات الفلسطينية في لبنان خارج سيطرة الدولة منذ عام 1965، وهي لا تخضع للقانون والنظام اللبنانيين». وإذ يؤكد أن ثمة «مشكلة مرتبطة بظروف معيشة ضيوف اللبنانيين»، يجزم أن لا إمكان لقبول توطينهم في لبنان، وينبغي خضوعهم للقانون والنظام اللبنانيين، دون أن ينسى المجاهرة بقناعته أن «هؤلاء غير قادرين على تحرير فلسطين».
وما لم يقله السنيورة للصحيفة، جاهر به خلال مداخلته في مؤتمر فيينا لإعادة إعمار مخيم البارد، فقال إن الشرط الرئيسي لتأمين استقرار الفلسطينيين هو «وضع المخيم تحت صلاحيات السلطة اللبنانية»، مؤكداً أن إعادة إعمار المخيم ستلبي «شروط الجهات المانحة ورغباتها». فيما اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربيّة عمرو موسى إعادة بناء المخيم خطوة أخرى نحو الطريق الصحيح للتعامل مع أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، واعداً بتأثير هذه الخطوة على التفاوض بين فلسطين وإسرائيل. وقال إن «مشكلة اللاجئين الفلسطينيين هي: هل يكون بإمكانهم العودة، وهل تقدم لهم تعويضات لقاء عودتهمهذه التصريحات تتقاطع مع ما يصفه نائب سابق بمعلومات أكيدة عن توجه لبناني رسمي، بإيعاز من صنّاع القرار في الخارجيّة الأميركيّة، صوب التعامل مع قضيّة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وفق خطة جديدة تتألف من 3 نقاط أساسيّة: أولها، تسليط الضوء على حقوق الفلسطينيين المدنيّة. ثانيها، توفير إجماع لبناني على عبثيّة السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها. وثالثها، تأمين جوازات سفر فلسطينيّة لفلسطينيي لبنان، ومبادرة وزارة الداخلية إلى إعطائهم إقامة طويلة الأمد، بحيث تصبح ديمومة وجودهم في لبنان شرعية. ويقول المصدر إن السنيورة تحدث عن تعميم نموذج البارد، بمعنى حصول الفلسطينيين على حقوقهم المدنيّة، وعلى السكن اللائق والفرص الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مقابل تسليمهم السلاح إلى الدولة.
في هذا الوقت، يجزم مصدر فلسطيني بأن إعمار مخيمي البارد القديم والجديد بمعايير جودة عالية سيدفع بفلسطينيي المخيمات الأخرى إلى النزوح صوب الشمال، أملاً في تحسين ظروف حياتهم. وسرعان ما ستتصاعد وتيرة هذا النزوح، إذا قدمت الحكومة والمؤسسات الدوليّة، كما هو متوقّع، المغريات المناسبة. وهو ما يتوافق بحسب المصدر نفسه، مع المعطيات عن التوجه الأميركي صوب حل قضايا الحل النهائي واحدة تلو الأخرى. وهكذا فإن ما يحصل اليوم بحماسة دولية، ويسوق له السنيورة على أساس أنه تحسين لظروف حياة الفلسطينيين، لا يعدو كونه التفافاً على قضية توطين الفلسطينيين يوصل إلى الهدف نفسه.
في المقابل، يرى مسؤول الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في لبنان مروان عبد العال أن الشائعات عن التوطين المباشر تارة، والمقنع طوراً لم تعد تقنع أحداً، وأن الملاحظات يفترض أن تتركز على المخطط التوجيهي لإعادة إعمار المخيم «لا على التفاصيل العبثيّة». فيما يسجل المسؤول الإعلامي لحماس في لبنان رأفت مرّة 3 ملاحظات على مؤتمر فيينا:
أولها، الاهتمام الدولي، رغم أن المناخ الدولي غير مكترث بالفلسطينيين في هذه المرحلة. وإذا أخذ بعين الاعتبار أن المال في خدمة السياسة دائماً، يصبح السؤال مشروعاً عن الهدف السياسي من ضخ المساعدات. مع الانتباه إلى سهولة إمرار المخططات في شأن فلسطينيي لبنان في ظل الأزمة اللبنانيّة الداخليّة والتسويات الإقليميّة وضعف السلطة الفلسطينية.
وثانيها، ربط المفوضية الأوروبية دفع الأموال بوجود حكومة لبنانيّة قويّة، متخوفاً من عدم ثقة الأوروبيين بجديّة اللبنانيين في إعادة إعمار مخيم البارد.
أما ثالثها، فدعوة المفوضية أيضاً إلى تعميم نموذج البارد وإدماج الفلسطينيين في محيطهم، الأمر الذي يعني، وفق مرّة، إسقاط حق العودة وفرض التوطين بآليات أخرى تقوم على إبدال القرارات الورقيّة بخطوات عمليّة، مشيراً إلى أن إزالة مخيم بالكامل من الوجود وإعادة تنظيمه على أسس جديدة ومعايير أمنية وإنسانيّة، يفرضان كثيراً من التدقيق والمتابعة الجديّة، وخصوصاً أن المخطط التوجيهي لإعادة إعمار المخيم أسقط ملكية 22،5 % من فلسطينيي البارد لأراضيهم في المخيم القديم بحجة امتلاكهم منازل في المخيم الجديد. فيما يرى مصدر آخر في حماس أن ما يحصل في عين الحلوة قد يكون حلقة من سلسلة، بدأت كما قال السنيورة أواخر 2005، وستنتهي عند توطين مقنع للفلسطينيين يقوم على سحب مطلب العودة دون إعطاء اللاجئين الجنسيّة اللبنانيّة. ويعتبر المصدر أن حكومة الرئيس الفلسطيني محمود عباس تشجع كل خطوة تسقط حق العودة، مؤكداً أن جزءاً مما يحكى عن تحسين ظروف حياة الفلسطينيين، ومنحهم جوازات سفر فلسطينيّة وإقامات لبنانيّة، عرضه الرئيس الأميركي جورج بوش على وفد مسيحي رفيع زار واشنطن أخيراً وسمع هناك ما لم يعجبه.



حملات التبرع

قال رئيس الوزراء الفلسطيني، سلام فياض، إن منظمة التحرير ستطلق حملة تبرعات داخل المجتمع الفلسطيني لجمع عشرة ملايين دولار كمساهمة من فلسطينيي الداخل في إعادة إعمار مخيم نهر البارد. من جهة أخرى، اكتتب الأوروبيون والأميركيون بمبلغ 122 مليون دولار أميركي في مؤتمر فيينا (قدرت الأونروا تكاليف إعادة إعمار المخيم والقرى المجاورة له بمبلغ 445 مليون دولار أميركي). مع العلم بأن المرحلة الأولى من إعادة الإعمار رصد لها 45 مليون دولار تذهب منها 5 ملايين لبناء مركز لقوى الأمن الداخلي وتأهيلها و30 مليوناً لتحسين ظروف العيش في المناطق اللبنانيّة المحيطة بالمخيم. وتبقى عشرة ملايين فقط لإعادة الإعمار.
أما عربيّاً، فسيعقد في الرياض يوم 1 تموز اجتماع للصناديق العربية لكي تعلن باقي الدول العربية المبالغ التي ستكتتب بها.