إبراهيم الأمين

لم يكن سهلاً على رئيس حكومة إسرائيل إيهود أولمرت إدخال أي تعديل على الصورة شبه النهائية لصفقة تبادل الأسرى التي أبرمها الوسيط الألماني بينه وبين حزب الله. وحتى المناورة الأخيرة التي قام بها خلال اليومين الماضيين ارتدّت عليه حملة إعلامية كبيرة في إسرائيل وعودة سريعة له إلى مربع القرار الذي يحتاج إلى مصادقة مفترضة الأحد المقبل في الحكومة. وإذا لم يحصل أي انقلاب كبير في الموقف السياسي داخل إسرائيل، مثل حلّ الكنيست وحجب الثقة عن الحكومة قبل الأحد، فإن الصفقة مرشحة لأن تمر حتى لو خرج وزراء حزب العمل من الحكومة، علماً بأن إيهود باراك ليس معارضاً للبنود التي تتضمّن ما كان كثيرون في تل أبيب يرون فيه ثمناً باهظاً.
والأمر يعود إلى الأيام الأولى من مهمة الوسيط الألماني، إذ بعد توقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، باشرت الأمم المتحدة من خلال رجل أمن ألماني مشهود له، بالوساطة بين طرفين يعرفهما جيداً. وهو لذلك كان يدرك منذ اللحظة الاولى أنه سيكون أمام موقف تفاوضي قوي للسيد حسن نصر الله وأمام موقع تفاوضي صعب لأولمرت، باعتبار أن الأخير أهدر فرصتين لإنجاز الأمر بأقل الأثمان، الاولى عندما تورط في المغامرة العسكرية ووافق على توصيات هيئة الأركان بتحويل عملية الرد على أسر الجنديين الى حرب شاملة، رافضاً اقتراحاً بعملية تبادل سريعة كان يمكن أن تقتصر من جانبه على إطلاق الأسير سمير القنطار، ثم أهدر فرصة ثانية عند توقف العمليات العسكرية ورفض مبادرة إطلاق القنطار ومن أسر من عناصر المقاومة خلال الحرب وبالتالي إحراج حزب الله ودفعه الى إطلاق الجنديين. وفي الخلاصة، كان أولمرت هو نفسه من رفع ثمن حرية الجنديين بمعزل عن مصيرهما، عندما ربط كل الحرب وكل الجرائم التي ارتكبها وكل الخسائر التي أوقعها بلبنان بهدف استعادة الجنديين، فما كان منه إلا أن قال لنصر الله: هاك، المبادرة لك وافعل بي ما تشاء!.
وبالتأكيد لم يكن نصر الله في موقع من يريد مكافأة أولمرت على جريمته الكبرى، وهو الذي يعرف كيفية اقتناص الفرصة لتأكيد قوة موقعه، لأنه بعدما هزم إسرائيل في الحرب، أعاد الى الأذهان صورته وهو في المؤتمر الصحافي الذي أعقب عملية الأسر ومباشرة إسرائيل الضغط وإعلانه يومها أن عودة الجنديين لا تتم إلا من خلال التفاوض غير المباشر والتبادل. ويمكن لقناة المنار أن تعيد بث هذه اللقطة عندما تحط الطائرة حاملة القنطار ورفاقه في يوم لا يبدو بعيداً. ولذلك كان نصر الله يعرف جيداً أن الوسيط الألماني لن يبادر الى أي نوع من المناورات، وهي التي تستند عادة الى أوراق تكون بيد الطرف الآخر، حتى إن معلقاً إسرائلياً قال أمس إن أولمرت حاول ابتزاز نصر الله من خلال الوسيط قبل سبعة شهور عندما أبلغه بأنه مستعد للذهاب في إجراءات إعلان وفاة الجنديين، وهو كان يأمل أن يتحول ذلك ضغطاً على نصر الله لكي يقبل بإتمام الصفقة بأثمان قليلة، لكن الاخير كان هادئاً وكذلك جوابه: ليفعل ما يشاء، فهو سيعود ليفاوض، سواء أعلن موت الجنديين أو لا، وعندها سوف يجد أن مطالبي هي نفسها التي أعرضها اليوم.
لطالما كان نصر الله وفريقه المعني بالمفاوضات يتصرفان بكفاءة عالية في إدارة هذا الملف، وهذا ما كان واضحاً بالنسبة الى الفريق الإسرائيلي المقابل، وجدول مطالب المقاومة كان واضحاً: حرية كل اللبنانيين من سمير القنطار الى من أوقف في إسرائيل لأسباب جنائية، أجساد كل الشهداء، كشف مصير الأسير يحيى سكاف، كشف مصير الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة، خرائط الألغام التي خلفتها قوات الاحتلال بعد انسحابها عام 2000، خرائط القنابل العنقودية التي ألقيت في الساعات الأخيرة من عدوان تموز.. إضافة الى لائحة بأكبر عدد ممكن من الأسرى العرب والفلسطينيين، مقابل الجنديين وأشلاء الجنود التي خلفتها قوات الاحتلال في الجنوب. وكان حزب الله في المقابل يستعد إما لعملية واحدة وإما لتجزئة تبدأ بدفع إسرائيل ثمناً إنسانياً مقابل كشف مصير الجنديين، إضافة الى شرح مفصّل عن جهوده الخاصة التي لم تصل الى كشف مصير الطيار الاسرائيلي المفقود رون أراد. ولما رفضت إسرائيل هذه الخطوة، لم يحصل الوسيط الألماني في عشرات من اللقاءات التي عقدها في بيروت على أي إشارة أو تعليق عن مصير الجنديين، برغم قدرته الفائقة على إعادة طرح السؤال بألف طريقة وطريقة.
وبعد مرور شهور طويلة على انطلاقة الوساطة، كان لا بد لإسرائيل من أن تصل الى اللحظة الصعبة والى القرار النهائي، وأظهرت الجهود التي قام بها الوسيط الألماني الشهر الفائت أن إسرائيل قبلت لكنها كانت تجهد في البحث عن طريقة لإخراج الصفقة بصورة لا تضر بها ولا تترك لنصر الله فرصة إعلان انتصار جديد. وكانت المفاجأة بالنسبة إليها وحتى بالنسبة إلى الوسيط الألماني، أن نصر الله ليس مهتماً باحتفالية تظهره بطلاً عربياً، وما يهمه عودة الأسرى الى عائلاتهم!.
في المداولات المكتومة، لم يكن صعباً على أولمرت إقناع من يجب إقناعه. لكنه بات قريباً من لحظة المكاشفة أمام الجمهور، وبعد إعلان قائد حزب الله في 25 أيار الفائت عن قرب إتمام الصفقة، خرجت ردود فعل في إسرائيل وتعليقات سياسية وإعلامية دلت على أن أولمرت لم يكن قد وضع الجميع في حقيقة الثمن المدفوع، حتى إن إعلاميين بارزين في إسرائيل، وبعضهم على صلة قوية بمراكز القرار، تحدثوا بسذاجة وبلاهة عن أن نصر الله إنما أعلن موافقته على عرض إسرائيلي بمقايضة الأسيرين بالأسرى اللبنانيين فقط، ولم يمر وقت طويل حتى اكتشفوا أن الحقيقة هي في صفقة كاملة لا تقل قوة عن آخر صفقة، وفيها ما يناسب طموحات نصر الله وما يجعل إسرائيل أمام مهمة أصعب عندما تسعى جدياً الى استعادة جلعاد شاليط.
الأكيد أن أبواب المناورات أقفلت تماماً، وأمام إسرائيل فرصة وحيدة في الأيام القليلة المقبلة، وإذا فقدتها فإن المقاومة لا تجد أنها مضطرة لأي تنازل، فيما قد يكون لديها الخيار لتحسين شروطها بألف طريقة وطريقة!.