strong>تخلت المعارضة عن خجلها للمرة الأولى أمس، وأرسلت صورة واضحة عما تريده، وحتّى عن الوسائل الجاهزة لاستعمالها، وتخطت الفتنة عبر الحسم السريع في المناطق، وعبر عزلها للمربعات التابعة للموالاة. لم تكن البارحة بحاجة إلى غطاء مطلبي، وأعطتها الحكومة فرصة نادرة يبدو أنها ستستغلها إلى النهاية


فداء عيتاني

كان يمكن أن يمر نهار أمس دون أن تقف آليات الجيش فاصلة بين شوارع العاصمة، ودون أن يشرح أحد الضباط الميدانيين طبيعة إطلاق النار الآتي من هذه الجهة أو تلك، إلا أن الأسوأ قد وقع.
وقف ضابط بين عناصره على مفترق بشارة الخوري ملاصقاً الجدار لناحية منطقة البسطة وهو يقول: «المنطقة غير آمنة، وكل بضع دقائق يحصل إطلاق نار»، ويتحرك الضابط الذي يتحدث إلينا بشكل غير رسمي بدورية راجلة نحو البسطة، والشوارع المحيطة بعناصره الذين احتموا قرب الجدران من نيران قناصة يفترض وجودهم في محيط مسجد ذي النورين في رأس النبع.
إنه خط المحاور الجديد إذاً، رأس النبع ـــــ البسطة، بربور ـــــ كورنيش المزرعة، وعلى بعد أمتار من الضابط الذي يسير في طليعة جنوده، يتحرك عنصر من إحدى مجموعات المعارضة مسلحاً ببندقية كلاشنيكوف وجعبته الثقيلة تحيط بجسمه، ويوقف درّاجاً ينقله سريعاً بعيداً من أعين الجنود. في هذه النقطة لا يزال الخجل يمسك بخناق السلاح، وإطلاق النار نادر ومتفرق، وبعد عودة الضابط إلى تجمّع جنوده نسأله: «ألم ترَ ميليشيات في الشوارع المحيطة بك؟» فيجيب: «المشكلة ليست في هؤلاء. انظر إلى الجنود المحتمين خلف الملالات، إطلاق النار نتعرض له من المنطقة المقابلة»، ويشير نحو جنوده المحتمين خلف ملالتين من طراز أم 113 إحداهما مزودة مضاداً للطائرات ثنائياً من عيار 14.5، وتقطعان الطريق الممتدة من بشارة الخوري نحو البربير، وخلفهما يحتمي عشرات الجنود بعتادهم الكامل. ويعود الضابط للإشارة إلى المناطق التي تأتي منها النيران، حيث امتداد مباني شارع محمد الحوت.
لمؤازرة هذه القوات تصل عند الساعة الثانية سرية ملاّلات من مغاوير الجيش من منطقة الوسط التجاري، وأخرى من البسطة وتتمركز كلها في الشوارع المحيطة ببشارة الخوري. يتحرك الضباط ويدرسون معاً الوضع الميداني. يسخر أحد الجنود من مراسلي «الأخبار»: «إذا كتبتم أنتم فستقولون إن الجيش ينهار وإن معنوياتنا بالأرض وإننا سبب المشكلة، جريدتكم معروفة»، ويسمع رداً على تحيته.
بعد دقائق تتحرك آليات المغاوير نحو شارع محمد الحوت، ولم تكد تمضي لحظات على دخول إحدى الملالات إلى الشارع حتى انطلق رشق ناري، فعادت الآلية وخرجت من الشارع.
العشرات من الجنود ينتشرون على خط بشارة الخوري. إطلاق نار متفرّق. في شارع داخلي في البسطة التحتا يقول أحد الشبان الميليشياويين «القناصة من المستقبل في المبنى الأبيض وفي مسجد (مطلقاً شتيمة)». ومقابل صيدلية على خط بشارة الخوري الرئيسي، وقبل العاملية، يوقفنا أحد الرتباء في الجيش رافضاً ذكر اسمه ورتبته، ويمنعنا من متابعة الطريق: «ربما نقوم بمداهمات. كلا، لا يمكنكم مرافقتنا، عليكم العودة من حيث أتيتم»، يقول قبل أن يشير إلى أن الضابط منع جميع المدنيين من السير على الخط الرئيسي، ثم يشير إلى منطقة البسطة، «هذه المنطقة تأتي منها النيران، أما رأس النبع فهي منطقة هادئة».
لم يعد من الممكن معرفة من أين تأتي النيران، عند مفارق الطرق جنود الجيش يمسكون بالمسالك، مانعين الطرفين من التماس المباشر، وينتظرون أوامر جازمة بالدخول أو الدهم أو التحرك. يحاولون ضبط حركة الصحافيين قدر الإمكان، ويتحركون على خط الشام، وبشارة الخوري، وشارع البسطة الممتد حتى كركول الدروز، وخط برج المر ـــ السرايا، والرينغ، أما الشوارع والأزقة الداخلية فأمر آخر.
بضعة مسلحين في شارع النويري يتحركون بحذر، ويقفون على مفارق طرق تؤدي إلى المنطقة المقابلة من رأس النبع وشارع محمد الحوت خاصة. في كل زاوية مجموعة من ثلاثة إلى أربعة أشخاص، وفي مداخل مبانٍ قريبة يتجمع بضعة مسلحين ببنادق الكلاشنيكوف والأم 16 وأسلحة أخرى كالبومب أكشن وأم 15، وبعضهم ارتدى الزي العسكري، بينما أغلبهم حمل الجعب الخضراء المتشابهة التي وحّدتهم نهار أمس الطويل.
من مكان ما يتحدث أحد القادة في المعارضة، سائلاً إن كانت الحكومة قد فهمت أم لم تفهم بعد. ومع استمرار فريق السلطة على مواقفه يتابع: «إذاً غداً (اليوم) سيفهمونكلف إفهام السلطة الكثير من التوتر والرصاص، من الطرفين، ومن منطقة رأس النبع تطلّب الأمر جهداً كبيراً من الجيش لإقناع تيار المستقبل بترك القوى الأمنية تتولى حماية مركزه الكائن في شارع محمد الحوت قرب مسجد ذي النورين، حيث دخل الجيش في النهاية فارضاً حظراً للتحول مؤقتاً في مربع أمني حول مركز تيار المستقبل لتأمين حمايته ومنع وصول المعارضة إلى المنطقة، ومنع إطلاق النار من محيطه، بينما كان مسلحون من المستقبل يتحركون بحذر في مناطق رأس النبع المتاخمة.
في منطقة الطريق الجديدة يتحرك العشرات من المقاتلين المسلحين من المستقبل، وهمهم دفاعي، كما يقول أحد القادة في المنطقة، مضيفاً: «لن نتمكن من اقتحام الضاحية حتى لو أردنا، والمهمّ أنهم لن يدخلوا إلى هذه المنطقة»، ويتحدث قائد آخر في المستقبل عن «حمل الشباب السلاح ولكن من دون قرار. حين وقعت مشكلة الجامعة العربية كان الشبان يحملون السلاح للدفاع عن أنفسهم».
قرابة الثانية والنصف بعد الظهر وقع الخلاف المركزي. عناصر من المعارضة مسلحون يدهمون مركزاً لتيار المستقبل في رأس النبع في شارع عمر بن الخطاب. أحد العناصر يتحدث عن تعرضهم لإطلاق نار صادر من المركز. واحتشد العشرات من المقاتلين من المعارضة، وتبودل إطلاق النار لدقائق، وانفجرت قذائف صاروخية لم يعرف مصدرها، قبل أن يسقط المركز في يد المعارضين.
تدخلت على الفور عناصر من استخبارات الجيش التي منعت وقوع عناصر تيار المستقبل في يد المعارضين الذين احتشدوا بسلاحهم الكامل في انتظار سحب العناصر. وبعد مفاوضات طويلة دخلت سيارات تابعة لاستخبارات الجيش إلى قرب مدخل المبنى الذي يقع في طبقته الأولى مركز المستقبل، وأُخرج عدد من العناصر تعرضوا للضرب خلال خروجهم، مع اتهامهم بالقنص من المركز. وفور مغادرة السيارة المكان بدأ عناصر المعارضة بإطلاق النار في الهواء «ابتهاجاً» كما كان يقول أحد رجال استخبارات الجيش لمسؤوله هاتفياً، شارحاً له الموقف.
دارت عناصر المعارضة كاشفة عن قدراتها العسكرية ومطلقة النيران في الهواء وسط فوضى احتشاد عشرات من المقاتلين الذي يرفعون بنادقهم ويفرغون مخازنها النارية. تعسرت بعدها عملية إخراج العناصر الباقية من المركز، وانسحبت سيارات استخبارات الجيش المدنية من المكان لترجع بعدما عاد انتشار المعارضة إلى المواقع القتالية بدل التجمهر أمام المكتب الفارغ لتيار المستقبل الذي بحثت فيه عناصر المعارضة عن السلاح قبل أن يستنتج أحد مسؤوليها الميدانيين: «لقد جرّدهم عناصر استخبارات الجيش من السلاح».
فوضى السلاح وانتشار المسلحين بالأقنعة ومن دونها، وحركتهم السريعة على الدراجات النارية الخفيفة، وصولاً إلى احتلالهم لمراكز تيار المستقبل المتفرقة ضمن مربعاتهم وعزلهم للمناطق بعضها عن بعض، ومنع الاحتكاك المباشر بين الشوراع والأحياء، ومنع خروج الإمداد والمواصلات أو دخولها، وبالتالي عزل المربعات التابعة سياسياً لقوى الموالاة، كل ذلك جاء من خطط سبق أن ناقشتها المعارضة طويلاً ونشر أغلبها عبر وسائل الإعلام، إلا أن المشهد في شوارع مناطق المستقبل يمكن اختصاره بكلمة واحدة: «الصدمة».




نقطة الانطلاق: مخيّم صيفي على طريق المطار

كانت الساعة السابعة والنصف نقطة الصفر لانطلاق تحرّك المعارضة من طريق المطار. وبدا منذ الدقائق الأولى أنّ المنظّمين أخذوا عِبر الإضراب الأول للمعارضة في 23 كانون الأول 2006 بعين الاعتبار. فكانت الشاحنات المحمّلة بالردم والدواليب جاهزة. حتى إن عددها فاق في بعض النقاط عدد المتظاهرين.
وكان موظّفو المطار المنضوون ضمن هيئة التنسيق العماليّة في المطار قد خالفوا قرار نقابة موظفي المطار، والتزموا قرار اتحاد النقل الجوي المتماهي مع الاتحاد العمالي العام، فتوقفوا عن العمل من الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الثالثة ظهراً. فعُلّقت الرحلات، وأعلن لاحقاً تأجيل 32 رحلة وإلغاؤها من المطار وإليه. وقد سمح العميد وفيق شقير، الذي حضر إلى مكتبه منذ الصباح، للصحافيين بالتجوّل في المطار الفارغ من أهله والتقاط الصور، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «أحد المحبّين» رفع لافتتين فوق إحدى الشاحنات عند مدخل المطار، كتب عليهما: «الجبل ما يهزّك يا وفيق»، و«لن ينال العملاء منك يا أسد المطار».
ومع تحوّل الأتوستراد الذي يصل العاصمة بالمطار إلى ملاعب لأطفال الضاحية والغبيري يلعبون فيها كرة القدم، بدأت قرابة العاشرة صباحاً بعض القوى العسكريّة المؤلّلة بالحضور، محاولة اجتياز أحد السواتر الترابيّة. لكن سرعان ما تصدّى لها شبان الحركة وأبلغوها «جدّياً»، كما يقول أحد الشبان، بعدم ترحيبهم بحضورها، ما دفعها إلى المغادرة على عجل، تاركة الساحة لأهلها.
ووسط انشغال المواطنين بفهم ما يحصل حولهم، كان السياسيون منشغلين بتهريب طائراتهم خوفاً من توسّع دائرة الاحتجاج في المطار، وحصول اعتداءات عليها. إذ أفاد مصدر ملاحي في مطار بيروت عدداً من الوكالات بأن عدّة طائرات خاصّة نقلت إلى مطارات مجاورة.
ومع استمرار توافد الشاحنات المحمّلة بالردم والتراب والدواليب، تسرّبت كلمة السر: «ستُنصب الخيم حول المطار لإقامة مخيم جديد للمعارضة».
(الأخبار)