ابراهيم الأمين

ليس أمام فريق السلطة بعد قراراتها الأخيرة، سوى الذهاب إلى جهات خارجية لتحويلها إلى مواد للبحث وللقرار التنفيذي. وبعد مواجهات أمس المتنقلة سياسياً وفي الشارع، تسارعت وتيرة التوتر لدى فريق السلطة حتى لامس المطالبة بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية لطلب الحماية الدولية. وهذا يفرض برأيهم إصدار مجموعة قرارات عربية ودولية من النوع الذي يعلن أن ما يجري الآن في لبنان ليس انقلاباً على الشرعية اللبنانية فحسب، بل على الشرعية الدولية، لتكون النتيجة النهائية أن يتبنى مجلس الأمن الدولي مذكرات حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لناحية اعتبار المقاومة اعتداءً على السيادة الوطنية وطلب توفير أمن دولي للمرافق الأساسية في لبنان من مطار إلى مرفأ إلى مقارّ رسمية.
لم يكن أحد بحاجة إلى مقدمات إضافية لهذه الخطوات بعد الفجر اللعين لحكومة السنيورة الذي صادف توقيته مع قرار بدا واضحاً أن مصدره السعودية والولايات المتحدة الأميركية بنقل الأزمة اللبنانية إلى مستوى آخر بعد فشل كل المحاولات السابقة لجعل مشروع الولايات المتحدة وجماعتها في لبنان يتقدم نحو تحقيق نجاحات في لبنان. ولأنه لا مجال لحروب من النوع الذي شنّته إسرائيل في عام 2006، ولأن الولايات المتحدة غير قادرة على أن تقوم مقام إسرائيل أو غيرها، لم يعد بيد هذا الفريق سوى سلاح الفتنة. ورغم أن قوى المعارضة، ولا سيما المقاومة، حاولت الابتعاد عن هذه المواجهة، إلا أن ما أطلقه النائب وليد جنبلاط في حملته الأمنية الأخيرة بدا منسقاً من لحظة إعداد تقارير مضحكة عن أعمال مراقبة للمطار، إلى تسريبها بالطريقة التي سُربت بها إلى الإعلام، إلى قرارات الحكومة التي تعكس إصراراً على المضي بالمواجهة. كل هذه المقدمات كانت تشير إلى أنه لا بد من وضع اليد على عنق الحزب وفي نقطة الضعف المركزية التي تخص المقاومة. وكان ما كان من قرارات صادرة عن حكومة السنيورة.
إلا أن التتمة تقف في رأي وليد جنبلاط عند التعبئة الشاملة على مواجهة سنية ـــــ شيعية، وكان خطاب المفتي محمد رشيد قباني مساء أمس إشارة الانطلاقة نحو حفلة المناشدات التي سوف توجه باسم سنّة لبنان إلى العرب والعالم لأجل مواجهة حرب شيعية مع حملة مركزة على حزب الله وعلى إيران، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تعبئة في لبنان وفي العالم العربي على أساس أن ما يجري في لبنان هو اجتياح شيعي ما، قد يدفع بالبعض إلى التندر منذ الآن بتدخل قوي سوف تقوم به دول عربية وإسلامية وعواصم غربية لنصرة الفريق الذي يتعرض للحملة في لبنان. وهو الأمر الذي يبدو أنه سيترافق في الوقت القريب مع حفلة تحركات ذات طابع شعبي، مثل التجمعات في المراكز الدينية وفي المؤسسات التي تدل على الطابع السني للمواجهة، ورغبة الفريق الحاكم في جعل الأمور تسير على النحو الآتي:
أولاً: حصر المواجهة في المناطق المحسوبة تقليدياً على السنة، وحتى دفع الأمور إلى مواجهات دموية، فيما ينتظر هؤلاء أن تحصل مبادرات ذات طابع دموي من مجموعات سلفية سنية ضد الشيعة، وتجري الآن عملية تعبئة شاملة في مناطق الشمال والبقاع الغربي وإقليم الخروب، وكل ذلك يجري تحت عنوان فك الحصار عن أهل السنة في بيروت، ومحاولة حصرها في هذه المناطق بالتحديد.
ثانياً: إسقاط الحرم نهائياً عن أي كلام على المقاومة، وصولاً إلى إعلان موقف سياسي، وتحويله إلى موقف شعبي في لبنان وإلى موقف صادر عن حكومات في العالم العربي والإسلامي والدولي من أجل اعتبار ما يجري في لبنان جريمة إنسانية تهدد سلامة فئات كبيرة من اللبنانيين وتهدد السلم الأهلي، من دون أن يكون هناك أي تصور مسبق لما ستكون عليه المواجهة في وقت لاحق.
ثالثاً: تفعيل التحريض على سوريا وإيران بحجة أن هاتين الدولتين تقفان خلف ما يجري في لبنان، وبالتالي تحويل هجوم فريق السلطة على المعارضة وعلى المقاومة إلى هجوم للمعارضة على بقية دولة فريق الأكثرية.
إلا أن ما حصل يشير إلى أن فريق السلطة لا يدرك المتغيرات الفعلية التي تحصل من حولنا عندما قرر الذهاب بعيداً في حملته على المقاومة. والذي اقترح وصاغ ووافق على مقررات مجلس الوزراء الأخيرة، يقع بين منطقين: إما الالتزام بتوجهات أميركية ـــــ سعودية تقول بضرورة فتح المواجهة الشاملة مع المقاومة والمعارضة، وإما أنه يقيس الأمور على طريقته في إدارة أموره الداخلية في منزله وحزبه. وفي الحالتين، فإن نتيجة ما قررته حكومة السنيورة كان إعلاناً للحرب على المقاومة بصورة لم يسبق لأحد في لبنان أن خاضها منذ اجتياح العدو الكبير عام 1982.
وبناءً على ذلك، فإن المتوقع خلال الوقت القريب ينحصر في توسع حملة الصراخ من جانب فريق الأكثرية باتجاه الخارج القريب والبعيد، ورفع مستوى التعبئة داخلياً إلى حدود قصوى، وكل ذلك على أمل أن يؤدي ذلك إلى تراجع المعارضة والمقاومة على وجه التحديد عمّا بدأته من حركة احتجاج. علماً بأن طرق الحوار قد قُطعت تماماً خلال الفترة الماضية.
قبل أيام، كان هناك من هو في زيارة النائب سعد الحريري. كان الأخير يعلق على ما قاله النائب جنبلاط، لكنه كان يتحدث عن متغيرات وعن تاريخ 13 أيار موعداً حاسماً لانتخاب رئيس للجمهورية. وبعد الذي حصل يمكن الآن فهم أن عدم القدرة على توفير التوافق وعلى عدم توفير النصاب القانوني جعل هذا الفريق يفكر في أن ينتخب له المجتمع الدولي رئيساً وأن يرسله بحماية قوات دولية إلى القصر الجمهوري أو إلى أي مكان آخر لإدارة البلاد بانتظار أن تشنّ إسرائيل حربها الحاسمة التي تأتي على المقاومة، أو هذا ما يفكرون فيه.
لكن، هذه المرة لا يمكن فريق المعارضة التراجع، ولا يمكن المقاومة التنازل في النقطة الأكثر خطورة، وبالتالي فإن المواجهة السياسية سوف تمضي إلى حدودها القصوى، أما المواجهة على الأرض، فسوف تكون انعكاساً لصراع الطبقة السياسية. وكل ذلك لتلبية رغبة ديفيد ولش في جعل صيف لبنان ساخناً جداً.