جان عزيز

«عندما يجرَّد حزب الله من السلاح، أو عندما تجرَّد المقاومة الوطنية من السلاح، ندخل في الفلك الغربي، بعدما خرج الفلك العربي. يُحيّد لبنان، ولاحقاً كما أراكم وكما ترونني، يُطلب من لبنان مجدداً الالتحاق بحلف مشابه لـ 17 أيار».
هذا الكلام لم يقله حسن نصر الله، بل وليد جنبلاط. والأهم أن تاريخ قوله لا يعود إلى زمن الوصاية السورية وخضوع الزعيم الدرزي لمقتضياتها واحترافه الكذب ربع قرن قسراً، كما قال. بل يعود إلى ما بعد الجلاء السوري، وإلى زمن انتصار جنبلاط في الانتخابات النيابية الأخيرة وتأليف الحكومة الحالية وإرساء رؤية جنبلاط وحلفائه للبنان ما بعد الوصاية والوجود السوريين.
رؤية جنبلاط لمرحلة السيادة هي، لأن هذا الكلام قاله سيد المختارة في أول مؤتمر عام لحزبه في زمن استقلاله وحرية خياره وقراره، وفي أول قراءة استراتيجية له، لما سيكون عليه نهجه السياسي والوطني، في الزمن الذي قال عنه: «نحن اليوم أحرار».
ولم يقتصر كلام جنبلاط في مؤتمر 14 آب 2006 على هذا الموقف من سلاح «حزب الله»، بل رسم صورة شاملة بنظرته إلى لبنان الماضي والحاضر والمستقبل. قال: «هناك نظريات بتحييد لبنان، لن نقبل ولا نريد أن نحيّد لبنان. لذلك رفضنا القرار 1559، لأنه من خلال رفض هذا القرار والتمسك بسلاح المقاومة، يبقى لبنان عربياً... وصية كمال جنبلاط الأخيرة لحافظ الأسد في شباط 77 كانت: انتبه إلى الشريط الحدودي، ولن يكون حل في لبنان إلا من خلال تجريد اليمين الانعزالي من السلاح. وهذا ما حصل في تسوية الطائف والحمد لله. كان نبياً كمال جنبلاط، واليوم نعود إلى الطريقة نفسها، أصوات تدافع عن الشريط الحدودي، وأصوات تريد تجريد المقاومة من السلاح (...) الثابت الأساس بغض النظر عمن يحكم دمشق، إن دمشق هي العمق، هي الحاضن، هي الأساس، هي العروبة، هي التحدي في مواجهة الغرب. والمقاومة هي الحفاظ على هويتنا النضالية، المقاومة الوطنية والإسلامية في مواجهة إسرائيل».
هل كان وليد جنبلاط مخطئاً في مؤتمره التأسيسي الأول في زمن استقلاله وصدقه المستعاد صيف 2006؟ هل هو مخطئ في كلامه القيصري ضد حزب الله قبل أيام، عشية صيف 2008 الحار، كما توقعه صديقه المستجد دايفيد ولش؟ أي من الموقفين الجنبلاطي يخطّئ الآخر؟ لا أجوبة حاسمة عن هذه الأسئلة. كل ما في الأمر، كما قال الزعيم الدرزي في قراءته التاريخية تلك، أنه «لكل فترة تاريخية موضوعيتها». وقد تكون موضوعية جنبلاط قبل صيفين، قد تناقضت معها في الصيف المقبل. غير أن السؤال ــ الخيار الحاضر في الصيفين، هو تماماً ما طرحه جنبلاط نفسه قبل أعوام، في صيغة المعادلة الشهيرة: «هانوي أم هونغ كونغ؟». والمشكلة الدائمة أن جنبلاط ظل طوال الأعوام الماضية وحتى اللحظة، متقلباً بين طرفي معادلته، لا يستقر على أحدهما، ولا يترك أحداً يعرف قراره أو استقراره. والمشكلة المتلازمة أن لجنبلاط دوماً قدرة على «قطر» حلفائه في تقلّبه وتبدله بين الطرف ونقيضه.
اليوم، «وقد صرنا أحراراً»، وقد صار الخطر التدميري أكبر من القدرة على التقلّب، يبدو جنبلاط في موقع من لا يزال يمسك بمفتاح واحد من مفاتيح الحل على الأقل. ماذا لو حسم سيد المختارة أولاً خياره، في شكل ثابت نهائي لا عودة عنه.
وماذا لو أقدم على وضع هذا الخيار، في إطار قراءة سياسية كاملة، تماماً كما فعل في 14 آب 2006؟ وماذا لو بلور الزعيم الدرزي صورة اللبنان المنشود بعد الوصاية السورية، أكانت صورة هانوي كما كانت لديه قبل، أو صورة هونغ كونغ المرثية في بيروت اليوم. وماذا لو «قطر» بعدها جنبلاط حلفاءه، إلى هذا الخيار الثابت عندهم، وعملوا لإنجاحه عربياً ودولياً حيث تبدو زياراتهم ناجحة وفاعلة ومؤثرة في استدرار المواقف منهم، من دون أن تصدر عنهم.
ماذا لو قال جنبلاط ــ وبعده حلفاؤه ــ نريد أن ننتهي من سلاح «حزب الله»، وفق هذا التصور الشامل لمصلحة كل لبنان، بدءاً بمصلحة سيادته على جنوبه وأبنائه ومائه وأجوائه المحررين والمحميين بالكامل، وهكذا. ونريد هذا القانون الانتخابي المفصل، إطاراً لديموقراطيتنا التعددية والتوافقية. ونريد هذه الصيغة المحددة لتأليف الحكومة ولعلاقتها مع السلطات الأخرى.
ونريد هذا التصور الدقيق للعلاقة مع دمشق، أياً كان حاكمها. ماذا لو عرفت هذه «القاطرة» مرة واحدة، كيف ترسم خريطة الطريق، وكيف تلتزم السير فيها، إلى هانوي أو هونغ كونغ، انطلاقاً من برج بابل بيروت اليوم؟
وإلا فستظل الثابتة الجنبلاطية الوحيدة تاريخياً، أن فعلها مرة أخرى الوليد بن كمال، وجر حلفاءه إلى تفجير البلد، لمجرد عجزه عن التأقلم مع الهدنة، فكيف
بالسلام...