نادر فوز

غطّى الدخان شوارع العاصمة، وتحوّلت دعوة الاتحاد العمالي إلى ساحة سياسية سادتها مواجهات شرسة بين طرفي النزاع، فيما اكتفى «العمّالي» بتأجيل مسيرته المقرّرة، لما آل إليه التوتّر في أحياء بيروت.
حضرت «أم عبّاس»، أو نهى إبراهيم، البالغة من العمر 62 عاماً، بعباءتها البالية مشياً من منطقة «الماريوت» إلى جسر البربير. رفعت علم «العمّالي» وانتظرت اكتمال الحضور. أضربت أم عبّاس أمس عن بيع السجائر على عربتها المتنقّلة بين الأوزاعي ووطى المصيطبة والكولا. ومن فمها الخالي من الأسنان، تفصح الحَجّة عن أسباب وجودها عند البربير، فالاحتجاج على السنيورة وسياسته الاقتصادية والمالية واجب كل مواطن وعامل، فـ«ابني الوحيد مكرسح عاجز عن العمل، ووالدتي مريضة، عليّ الاهتمام بها أيضاً»، ليصبح بعدها المشهد مشابهاً لمشهد مسرحي درج عرضه على شاشات التلفزة: «أين الدولة، أين الدولة تحمينا!».
لا تخشى نهى أن تقول «الكلام الكبير على التلفزيون»، فكل ما يمثّله السنيورة من عداء للمواطنين وللمقاومة وتحالف مع الأميركيين يجب أن يقال «دون خوف وفزع، شو بيقتلوني يعني». ومقابل مطالبها بالعيش الكريم، تأبى أم عباس أن تحصل على أموال من السنيورة، فـ«هذه أموال مسروقة، أفضّل ربح 250 ليرة من بيع كروز دخّان على أخذ مال حرام».
شغلت أم عبّاس معظم الصحافيين، فالوجوه القليلة الموجودة في المكان مشغولة في اتصالات مع آخرين موجودين في مقرّ «العمّالي»، ليؤكدوا استمرار العمّال بتحرّكهم. لكن سرعان ما أكّد أحدهم أنّ المسيرة ألغيت لأسباب أمنية، ما دفع أحد الموجودين للقول «ليمشِ الصحافيون في المسيرة ويرفعوا الشعارات»، تعقيباً على كثرة عدد الصحافيين الذي فاق بأشواط عدد المضربين.
الدخان الأسود، السواتر الترابية، الإطارات المشتعلة، السلاح المنتشر في الشوارع، وغيرها من مشاهد الصراع الأهلي، لبّت دعوة الاتّحاد العمالي العام للاعتصام عند جسر البربير. عند الساعة العاشرة من صباح أمس، حضر بعض «أنصار» العمالي، يتجاوز عددهم أصابع اليدين بقليل، عند نقطة التجمّع، حاملين لفافات لأعلام «الاتّحاد» بانتظار توزيعها على الحاضرين ـــ إذا حضروا ـــ لإضفاء أجواء تنظيمية على التحرّك وإبعاده عن أي احتضان سياسي. وفي انتظار المشاركين، ملأ أنصار الجيش وقوى الأمن الداخلي ساحة التجمّع، مدجّجين بعتاد مكافحة الشغب وأسلحتهم الرشّاشة تحسّباً لأي طارئ.
لم يحضر أحد والأسباب واضحة: كثافة الدخان فوق العاصمة، الطرق المقطوعة، الوضع الأمني المتدهور، خاصةً مع إلقاء قنبلة صوتية في الصباح الباكر أدّت إلى جرح مدنيين وعسكرين عند كورنيش المزرعة المحاذي لجسر البربير.
وأمام عزل البربير تماماً عن الشوارع المحيطة به، انطلاقاً من الطيّونة، دوّار شاتيلا، طريق المطار، كورنيش المزرعة، حتى رأس النبع، تراجع معظم من قرّر المشاركة في تحرّك الاتحاد العمالي. عند السادسة فجراً، حرّك حزب الله وحركة أمل ماكيناتهما الشبابية لقطع شوارع العاصمة. واللافت كان استمرار استقدام الشاحنات المحمّلة بالتراب والدواليب حتى ساعات بعد الظهر، كأن المقصود إقفال الطرق نهائياً، استعداداً لأزمة طويلة في الشارع، فيما كانت المادة الأساسية لتنفيذ المهمة عند الصباح حرق سيارات غير صالحة للاستعمال، إضافةً للحضور الدائم للجرافات والشاحنات.
عند مستديرة الطيّونة، يتمركز شبّان المعارضة بكثافة، يمنعون اقتراب المصوّرين لأسباب أمنية تتعلّق بالناشطين، واستمرار إشعال الإطارات ضرورة لـ«تسوء رؤية من يمكن أن يتمركز على الأسطح المطلّة، فالمنطقة مكشوفة تماماً».
وعلى بعد مئات الأمتار، عند مستديرة شاتيلا، الأمر مماثل، إلا أنّ استرخاء المعارضين يبدو أوضح، فحضرت الأراكيل وكانت الأجواء مريحة. «حاضرون للبقاء هنا، ما داموا قد تعدّوا علينا ويريدون القضاء على ثقافة المقاومة». وفي كل من المكانين، تكتفي عناصر الجيش بالجلوس على الضفاف المقابلة لخطوط النار، تراقب بهدوء ما يجري دون أي تدخّل، إلا أن تطبيق القوانين جاء على حساب الصحافيين والمصوّرين، فـ«الأمر لك» جاء حازماً عبر التشديد على عدم اقتراب الدراجات النارية أو السيارات إلى مواقع قطع الطرق والتدقيق ببطاقات التعريف. وللصحافيين أيضاً حصة من «الإذلال» في المقلب المعارض والموالي، إذ تعرّض البعض للضرب.
عند الأوزاعي، كانت محطة أخرى لإقفال الطرق. استغلّ بعض المواطنين انعدام السير للتسلّح بالمطرقة والإزميل لتوسيع الفاصل الإسمنتي. وكان لشارع «مار الياس» و«البسطة التحتا» حصّتهما من إشعال الإطارات ومستوعبات النفايات، فيما كانت حالة التأهّب واضحة عند الجميع، فتمركز العناصر في مداخل الأبنية. وفي «مار الياس» وكورنيش المزرعة والطريق الجديدة، رمى أنصار تيّار المستقبل مناشير «الدفاع عن أهلنا ومناطقنا» في دعوة لإقامة خطوط تماس مقابل مواقع شبّان المعارضة.