صباح أيّوب


مثلما فشلت لقمة العيش في جمع اللبنانيين حول حدث واحد أمس، فشلت أيضاً في توحيد اللغة والصورة الإعلامية بين المحطات المحلية. هكذا، انقسمت الشاشات سياسياً انقسام الحدث، وأمعنت في زيادة الهوّة وإزالة الطابع الاقتصادي ـــ المعيشي عن التحرّك الشعبي. ولم تنجح بعض المحاولات، كاستقبال متخصصين اقتصاديين في الاستوديوهات، في تغطية الواقع الذي تضاربت أحداثه مع المناقشات والتحليلات التي كانت تساق في الاستوديو أو عبر الاتصالات.

وبينما نزلت جميع وسائل الإعلام المحلية على الأرض، اتخّذت كل منها زاوية معيّنة لنقل الصورة التي تريد هي إيصالها إلى «جمهورها»: «المؤسسة اللبنانية للإرسال» أحاطت «الشغب» و«متاريس التراب» على طريق المطار بلهجة خائفة ومحذّرة من «تحرّك أكبر» قريب. كما جالت كاميرات المحطة على المناطق، وخصوصاً المسيحية منها، للدلالة على «الحركة الطبيعية في الشوارع والأسواق». وفي ملاحظة «نبيهة» من مراسل المحطة في منطقة البترون، أكّد جو الخولي أنّه «حتى بعض أعضاء أحد الأحزاب المعارضة فتحوا محالهم في المنطقة»!، كذلك فعلت «المستقبل» التي يُشهد لها «تنبؤها» بنهاية التظاهرة قبل بدئها. إذ نعت المحطة التحرّك منذ ساعات الصباح الأولى، مستنتجة أنّ ذلك ليس إلا «دليلاً على انكفاء حزب الله في بيروت والمناطق كلها». «المستقبل» التي جالت أيضاً على طرابلس وصيدا، أبدت إجماعاً على «الحركة العادية والحياة الطبيعية» في تلك المدن، على الرغم من أنّ بعض المشاهد المصوّرة بكاميرات المحطة أظهرت عكس ذلك في بعض الأحيان، (وخصوصاً في لقطات شوارع الحمرا مثلاً). وعندما بدأت الاشتباكات تتصاعد في منطقة كورنيش المزرعة، انتقل بسرعة البرق الخطاب الإعلامي إلى التغطية «الحربية» التي اعتادها المراسلون منذ سنوات، وبدأ الهوس بـ«بوادر حرب أهلية» (رياض قبيسي ـــ «الجديد») و«الهجوم المسلّح بالبولمان لاحتلال منطقة البربور» (مهى ضاهر ـــ «أخبار المستقبل») و«انتشار قنّاصين على الأسطح» والإسهام في تسييس المطلب المعيشي من خلال استدراج المواطنين الذين استوقفتهم إلى اللعبة السياسية والصراع الدائر (قناة «المنار») و«استعادة أحداث 23 كانون الثاني 2007» («إل. بي. سي») و«محاولة اقتحام المطار» (قناة «المستقبل»)...
وبينما يسجّل لقناة «الجديد» اتزانٌ نسبيّ في نقل الأخبار والصور وتغطية حركة المناطق منذ الصباح، إلا أنّ محاولة قراءة بعض الشعارات التحريضية والمنحازة من شوارع العاصمة بدت دخيلة ونافرة.
من جهة أخرى، كان لافتاً فضائياً «انسحاب» قناة «الجزيرة» من ساحات التغطية المباشرة للأحداث، حتى مع احتدامها في بيروت واكتفائها بالتقارير الإخبارية التي أوردتها في نشراتها المتتالية. علماً بأنّ الفضائية اعتادت تكريس حصّة كبيرة من هوائها المباشر للحدث اللبناني المحلّي.