نقولا ناصيف

ما انتهت إليه حتى الآن وقائع العمليات العسكرية ونتائجها السياسية، الأولية على الأقل، يجعل الموالاة والمعارضة في مأزق أكثر تعقيداً: نجح الفريق الأول في فرض أمر واقع عسكري قلب المعادلة السياسية ــــ أو يكاد ــــ رأساً على عقب من غير أن يقرنه بمكاسب سياسية جوهرية. وانهارت قدرة الفريق الآخر في المحافظة على الحكم على نحو ما كان عليه في السنوات الثلاث المنصرمة، لكن من غير أن يستسلم. وهكذا، لا الرابح حصد انتصاراً كاملاً، ولا الخاسر مني بهزيمة كاملة. مع ذلك يتغطرسان. أحدهما مأخوذاً بنشوة السيطرة على الأرض، والآخر بمكابرة رفض الاعتراف بما حصل والتنازل. وفي واقع الأمر لا تستطيع المعارضة أن تستمر مستنفرة آلتها العسكرية وشحن مسلحيها على غرار ما هو حاصل الآن في كل المناطق دفعة واحدة، ولا يسع الموالاة ــــ والحكومة خصوصاً ــــ الاستمرار طويلاً في وهم أنها لا تزال تمثل سلطة شرعية فقدت منذ الجمعة الفائت كل مقومات الحكم والهيبة لدى المجتمع الدولي. وقد بات يشفق عليها مقدار ما يزدري بالمعارضة.
يدفع ذلك إلى الاعتقاد بأن الساعات المقبلة ربما تكون حاسمة بالنسبة إلى الفريقين اللذين يواجهان سباقاً مع الوقت. إذ بينما توحي المعارضة باستعجال الحصول على مكاسب سياسية ثمرة الأمر الواقع العسكري الجديد، تستعجل الموالاة ردّ الفعل الخارجي على ما وقع بغية حمل الفريق الآخر على التراجع عن ضغوطه، وتسليمه بتسوية متكافئة. وقد أصبحت الموالاة، في أحسن الأحوال، متيقّنة من أن التسوية المتكافئة هذه لن ترضيها تماماً، ولن تجعلها تحظى بالشروط التي كانت تضعها في الأشهر المنصرمة للموافقة على الدخول في حوار مع المعارضة. صار في يد هذه الأخيرة أكثر من ورقة رابحة: السيطرة العسكرية على مناطق واسعة من لبنان، إقفال مجلس النواب، تحييد الجيش في الصراع السياسي على نحو لم يعد يرضي قوى 14 آذار بعد انتقاد رئيس الحكومة وبعض أركان الموالاة العماد ميشال سليمان على أدائه، ردّ الاعتبار إلى أفرقاء المعارضة الآخرين كالرئيس عمر كرامي في طرابلس والعماد ميشال عون والوزير السابق سليمان فرنجية في الجبل والشمال المسيحيين، والوزيرين السابقين طلال أرسلان ووئام وهاب في الجبل الدرزي. وأكثر من أي وقت مضى أصبح هؤلاء شركاء في السلطة على الأرض في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية ــــ أو حُيّدت ــــ بعدما بخستهم الموالاة في السنوات الثلاث المنصرمة موقعهم وأنكرت عليهم تمثيلهم.
ويكمن هنا الموقع الفعلي الذي أضحى عليه الجيش. يحظى بتأييد المعارضة، ويتلقف مآخذ الموالاة عليه. وهو ما يصوّره رئيس المجلس نبيه برّي بقوله: «عندما سمّينا قائد الجيش مرشحاً كنا نريده لإنقاذ لبنان، فرفضوه واتهموه بالعلاقة مع سوريا وقالوا إنه حليفها، وانتقدوه بعنف تحت حجة رفض تعديل الدستور. وعندما أصبح مرشّحهم التوافقي كانوا يريدونه للاصطدام بنا وبالمقاومة في ظرف كالذي نحن فيه الآن». بدوره، رئيس الحكومة أخذ على سليمان تجاهله طلبه فتح الطرق وسحب المسلحين من الشارع. فيما يتطلب أمر كهذا قراراً من مجلس الوزراء. تعذّر الأمر في الأيام الماضية، إلا أنه استحال الآن. أما الموقف الفعلي لسليمان الذي يفصح عنه في أوساطه، فهو أنه لا يريد أن يكون طرفاً في اشتباك المعارضة والموالاة، حتى في المواجهة العسكرية بينهما، ويحتفظ بأكثر من حجة للتسلّح بوجهة نظره هذه. ويقرن موقفه هذا بالتزام الصمت في خضم المواقف المتعارضة من الدور الذي يقوم به الجيش لسحب المسلحين والانتشار في كل المناطق. لا يريد أيضاً أن يكون طرفاً في السجال السياسي، بعدما بدا أن كلاً من الطرفين يريده في معركته هو.
في المقابل، وإن هي لا تزال تمسك بالغالبية النيابية والشرعية القانونية للحكومة، تبدو قوى 14 آذار في موقع حرج ومربك، وقد يكون مرشّحاً لأن يكون مكلفاً في الأيام المقبلة. لم يعد زعماؤها يستأثرون بتمثيل طوائفهم في الحكم والشارع. وهو ما كان يصحّ كاملاً على رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، وجزئياً على الرئيس أمين الجميل ورئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع. ولم يعد في وسع الحكومة الاستمرار في سلطة فقدت كل عناصر قوتها. وبعدما طلبت قيادة الجيش منها التراجع عن قراري جلسة 5 أيار، ثمرة لاحتكامها إلى القيادة العسكرية، فإن حكومة السنيورة باتت عاجزة من الآن فصاعداً عن اتخاذ أي قرار بسبب عجزها عن تنفيذه على الأرض. وباتت عاجزة خصوصاً عن الاحتكام إلى صلاحياتها الدستورية في اتخاذ القرار وحمايته. وتحوّلت بفعل الأمر الواقع حكومة تصريف أعمال، من غير أن تحظى بالغطاء القانوني لهذه الصفة، أي استقالتها كي تكون كذلك. الأمر الذي لا يلحّ عليه أركان المعارضة، وتحديداً رئيس المجلس الذي يرفض المطالبة باستقالتها، بل يجد استقالة محتملة كهذه إحراجاً توقعه فيه الحكومة لأسباب شتى: أولها كي لا تصبح حكومة شرعية ودستورية وهما الصفتان اللتان تنكرهما عليها المعارضة منذ استقالة الوزراء الشيعة الخمسة، وثانيها كي لا تكون القرارات التي اتخذتها الحكومة في السنة ونصف السنة المنصرمة قانونية، وقد طعنت بها المعارضة التي تطالب بإلغاء بعضها، وثالثها كي لا يعود إليها الوزراء الشيعة الخمسة بحكم تحوّلها حكومة تصريف أعمال.
ينبئ ذلك بأن كلاً من الطرفين في حاجة إلى تطور مباغت يحسّن من شروطه قبل ذهابه الحتمي إلى طاولة الحوار: مواجهة عسكرية جديدة في الشوف، أو إلغاء قراري 5 أيار والذهاب فوراً إلى طاولة الحوار. يميل رئيس المجلس إلى الخيار الثاني، ويتوقع ــــ خلافاً لما يشيعه رئيس الحكومة وحلفاؤه ــــ انعقاد مجلس الوزراء في الساعات المقبلة لإلغاء القرارين. وإذ يتمسّك بدوره المحاور، نبّه القائمة بالأعمال الأميركية ميشيل سيسون أمس إلى ما قد يصير أسوأ. عبّرت له عن مخاوفها مما يجري في الجبل والشمال، وعلقت آمالاً على دوره لوقف التدهور، فأجابها: «أنا مستمر في هذا الدور. ولو لم ترتكب الحكومة خطيئة القرارين، وهما خطيئة حقيقية، لما حصل ما حصل. وهي تتحمّل المسؤولية الكاملة، وعليها التراجع عنهما كي يُصحّح الوضع. لكن دوري هذا قد لا تعودين ترينه إذا رفضت إلغاء القرارين».