لم تكن الأحداث وليدة لحظتها في الجبل. هناك خصوصية حكمت انتفاضة المعارضة بوجه «الإقطاع الاشتراكي» ورغم إشاعة الأكثرية لمقولات «الخصوصية الدرزية» تبين أن الجو الدرزي لا يشذ عنه في باقي البلاد: مشروعان متصارعان أحدهما مدعوم من سلطة تواصلت من زمن الوصاية


فداء عيتاني

«راكم وليد جنبلاط نفوذه انتخابياً، وأوهم الناس بامتلاكه الأسلحة المتوسطة والثقيلة، وأنه جاهز دوماً لإخضاع المناطق التي تحاول العصيان»، كما يقول أحد كوادر تيار التوحيد الذي يتزعمه الوزير السابق وئام وهاب في منطقة الجرد.
على الطريق الدولية نحو دمشق، بعد تجاوز مفترق مدينة عاليه، تبدأ منطقة الجرد، منطقة همّشت كلها، وخلت من أية مصالح أو استثمارات مالية وتجارية جدية، وأغلب سكانها مزارعون أو يمارسون أعمالهم خارج المنطقة. وخلال الساعات الثماني والأربعين الماضية تغيرت الأحوال، انتفض سكان المنطقة المنضوون تحت جناح المعارضة وتسلموا زمام الأمور.
من بيروت نحو عاليه، الطريق ليلاً سالكة بعد تدخل الجيش وفتحها منذ ما قبل مفترق عاليه، حيث كانت قوات الحزب التقدمي قد أغلقت الطريق وأحرقت الدواليب ونشرت حواجز مسلحة، ما استدعى تدخل قوى المعارضة، وانتشارها عند الساعة الأولى من بعد ظهر 11 أيار.
لم تكن المعارضة موحدة في منطقة الجرد التي تضم بحمدون وصوفر وشانيه وعين دارا وشارون وبدغان والعزونية واغميد وغيرها. بل كانت كل من القوى فيها تعمل في معزل عن الأخرى، وبشكل رئيسي فإن المعارضة في الجبل تتكون من تيار التوحيد والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الديموقراطي اللبناني، وقبل 24 ساعة من سيطرة المعارضة كانت المنطقة تشهد هدوءاً، ولا نية لأحد بالنزول عسكرياً لإغلاق الشوارع أو فتحها. كان الكل على سلاحه دون جهوزية جدية، ويتابعون ما يحصل في العاصمة وفي طرابلس وطريق المصنع.
إلا أن خروج وليد جنبلاط ليل العاشر من أيار وإعلانه أنه يتحمّل مسؤولية ما حصل من اختطاف وتشويه وقتل مناصرين لحزب الله خفف حدة الاحتقان، ولكن في الوقت عينه أثار مخاوف المعارضين الذين خبروا دهاء جنبلاط في كسب الوقت وتجاوز المآزق. ولم تمض ساعات حتى عاد جنبلاط وفوض طلال أرسلان تسوية مسألة الجبل، وهو التفويض الذي انعكس في الشارع تصعيداً في نشر الحواجز واختطاف الباصات والتوقيف على الهوية، ومحاولة اعتقال أنصار للمعارضة في أكثر من منطقة في الجبل.
لم يكن الجرد بحاجة إلى كبير عناء. اتفقت القوى الرئيسية الثلاث في المعارضة على أقصى درجات التنسيق، لعب العامل الميداني دوره، فالتقى كوادر وئام وهاب والحزب القومي، الذين وصلوا للتو من معركة بيروت بمعنويات مرتفعة، وكوادر المير طلال أرسلان، وتوحدت القوات وحصل الانتفاض على قوات الحزب التقدمي الاشتراكي.
المنطقة نموذج للعصيان على النفوذ الجنبلاطي، وخلال فترة الحرب كانت هي الوحيدة التي رفضت سيطرة الإدارة المدنية التابعة لجيش التحرير الشعبي ـــــ قوات كمال جنبلاط، ومنعت جباية الأموال لمالية الحزب التقدمي الاشتراكي، إلا أنها في الوقت عينه صدّرت مئات من المقاتلين للقوى الوطنية، وخاصة للحزب السوري القومي الاجتماعي، وأحدهم، وجدي الصائغ، استشهد في مواجهة الإسرائيليين، وفي المرحلة التالية للحرب تقدم النفوذ الاشتراكي فيها على خلفية عشرات من الكوادر الذين درسوا في الاتحاد السوفياتي بمنح. وعلى وقع التعبئة الانتخابية، وتوزيع المغانم المالية وبعض الوظائف، تمكن جنبلاط من اختراق نصف سكان المنطقة، وإن كان أغلبهم قد حافظوا على عمق انتماءاتهم الحزبية، ولا سيما اليزبكيون.
ومنذ عامين بدأ وئام وهاب، مع إعلان تياره التوحيدي، بتأسيس وجوده في المنطقة، وراح يشق بصعوبة أولا ثم بيسر صفوف التقسيم السياسي الحاد للمنطقة، وخاصة الاشتراكي، وجمع حوله من أنصار الاشتراكي من سئم نفوذ وليد بيك ومزاجيته السياسية وتأرجحه الاعتباطي. فجمع وهاب حوله المئات من الأنصار المستعدين لحمل السلاح وتغيير الواقع الحالي، وخاصة أن شعار وهاب الأول هو مواجهة الإقطاع الجنبلاطي.
في الحادي عشر من أيار، وعند الساعة الأولى ظهراً، كان يمكن قوى المعارضة المشتركة أن تنفذ ما سبق أن طلبه وهاب من أنصاره قبل يوم واحد: الرد على كل حاجز بحاجزين وكل عملية خطف بعملية اعتقال لعناصر الاشتراكي، وإسقاط المنطقة عملياً. لم تكن الأمور بحاجة إلى إطلاق نار. وفجر 12 أيار كان يمكن مشاهدة المواقع التي أخليت من قوات الحزب الاشتراكي من على تلال مناطق صوفر، حيث أنهي الوجود العسكري للاشتراكي دون إطلاق نار، وإن احتفظ الأخير بقدرته على التجول بسيارات في الشوارع. بينما كانت مداخل عاليه مرصودة وتحت مرمى نيران المعارضة.
حشد الحزب الاشتراكي عشرات من المقاتلين في عاليه، معظمهم جاؤوا من منطقة بتاتر، ونصبوا بضعة حواجز متنقلة، وانتشرت على نهاية الخط وقرب كنيسة الكحالة عناصر مسلحة تابعة للقوات اللبنانية، وكان يمكن مشاهدة حاجز للاشتراكي على منتصف الطريق يدقق في هويات المارة فجر يوم الأحد.
القوى المعارضة التي أحكمت سيطرتها خلال ساعات على كل مناطق الجرد، وداخل قرى ثلث سكانها يوالي جنبلاط، لم تحمل في قتالها أكثر من البنادق الرشاشة. مجموعات تيار التوحيد لا تملك أكثر مما تظهر، ويؤكد أحد القادة الميدانيين أنهم يكتفون بهذه البنادق ولا يملكون غيرها، لا قواذف صاروخية، ولا رشاشات دعم وإسناد، ولا رشاشات متوسطة أو ثقيلة، وإن كانت المسافات الكبيرة بين القرى وفي الجرود تستوجب أسلحة ثقيلة، إلا أن التيار لم يتمكن من الحصول على دعم تسليحي جدي.
ويبدو كوادر التيار كأنهم يقاتلون بمعنوياتهم. معظمهم خلال الحروب قاتلوا إلى جانب جنبلاط، وتركوا لمصيرهم بعد انتهاء تلك الحروب، ثم تعبوا من تقلّبات جنبلاط وتخلّوا عنه، وخصوصاً أنه لا أحد منهم جنى مكاسب من الوجود السوري في لبنان، وعادوا بعدها إلى العمل بين الناس ولكن هذه المرة ضد جنبلاط، ورفدوا الشبان الجدد بخبرتهم القتالية وبمعنوياتهم، وطعموا خبراتهم بخبرات بعض الضباط المتقاعدين في القوى الأمنية المختلفة التي أسهمت في تدريب عناصرهم. والعنصر الأهم في ارتفاع معنوياتهم هو أنهم ببساطة يتمردون على نفوذ جنبلاط والحزب الاشتراكي في الجبل: «إلى الأمس كان جنبلاط زعيماً أول في السلطة في لبنان، اتصالاته الغربية تفوق التصور، وانتشار مناصريه يرعب حلفاءه قبل خصومه، وقدراته المالية حدّث ولا حرج، أما قدراته العسكرية فلا تزال تتردد صدى شائعات وجود مدرعاته في مخازن مخفية هنا وهناك، واليوم نحن ببضع بنادق رشاشة نحطم هذه البكوية التاريخية»، يقول محمد القائد الميداني في تيار التوحيد.
الحزب القومي يمتلك مئات المقاتلين في المنطقة. هو الأقدر على التحرك والانتشار بحكم خبرة تاريخية، وبحكم انتشاره في كل لبنان، حيث يمكنه نقل المقاتلين وحشدهم ونشرهم في المنطقة التي يختارها خلال ساعات. كما يملك قدرة على نقل السلاح والذخائر وإمداد عناصره، ولم تعد طرق الإمداد تمثّل أزمة بعد سيطرة المعارضة على المنطقة الجردية وفتح باب المواجهة في الشويفات وبعض مناطق الشوف.
ولدى طلال أرسلان أيضاً المئات من المقاتلين، وإن كانوا بخبرات قتالية متواضعة، إلا أنهم يبدون في حالة من الجهوزية المقبولة والتنسيق الكامل مع القوات الأخرى وجزء رئيسي في المعادلة في هذه المنطقة التي لهم فيها نفوذ عريق.
يوجه المقاتلون رسالة واضحة إلى قوات الجيش التي تبدأ بالوصول من مناطق عديدة. حالة استنزاف الجيش دفعته إلى نشر عناصر من الشرطة العسكرية على الطرق وفي التلال التي يتوافق عليها مع قوى المعارضة، وكل هدف المعارضة في هذه المنطقة الوصول إلى مداخل الشوف، ومنع قطع الطرق الدولية، وخاصة طريق دمشق، وإخلاء مجموعات جنبلاط وسيطرة الجيش على مخازن أسلحته التي طالما هدد بها المعارضة وقواها.
تحقق المعارضة هذه الأهداف بصمت، وفجر الثاني عشر من أيار يتصل أحد زعماء الحزب التقدمي هاتفياً بمسؤول ميداني في تيار التوحيد في بحمدون، ويطلب منه التروي والهدوء. بحمدون لا يمكن اعتبارها منطقة مناصرة للمعارضة، ورغم ذلك فإن الاشتراكي يطالب بالتهدئة ومعالجة مسألة المقاتلين الاشتراكيين وسحبهم دون قتال. يأتيه جواب المعارض واضحاً: «لا إطلاق نار ما دام عناصركم لا يطلقون النار، كل ما نريده هو فتح الطرق، ولكن لن نسمح بأن يظهر أي من عناصركم بسلاحه في الشارع ولا على شرفات المنازل، تلك المرحلة انتهت».
الكلام نفسه الذي سمعه المواطنون على ألسنة مسؤولي المعارضة يسمعه مناصرو الاشتراكي عبر المفاوضات المحلية: مرحلة التسلح والسيطرة انتهت، وبدأت مرحلة جديدة. ممنوع مراقبة الطرقات، وكل حاجز لم يسارع الجيش إلى سحبه كان يُزال بأساليب المعارضة الخاصة.
تسارع قوات الجيش إلى دهم المواقع التي تشك المعارضة في أنها مخازن أسلحة، وتخرج القوى الرسمية لتعلن عدم العثور على أكثر من بضع بنادق وذخائرها. كان ثمة من يسيطر على مناطق الجرد بالوهم والخوف. وتبقى مجموعات المعارضة التي تقاتل ببضع مئات من البنادق الحربية على استعدادها لخشيتها من زعيم لطالما امتهن كسب الوقت والقتال بحلفائه.