جان عزيز

في حديث تلفزيوني بُثَّ قبل ثلاثة أيام، يقول سمير جعجع حرفياً: «أقصى مناي أن أتمكن من التفاهم مع حزب الله على شيء ما».
بليغ جداً هذا الكلام، وكثير الدلالات حول الماضي والمقبل. والأهم حول المستوى الآني الميداني، كما حول المدى الفكري والسياسي والنظامي والكياني لغد هذه البلاد وأهلها.
بدايةً ولاستكمال الصورة، يجدر التذكير بأن أكثر من تفاهم، على أكثر من شيء ما، سبق أن حصل بين جعجع وحزب الله.
«التفاهم» الأول، كان منتصف الثمانينيات، إبّان الحرب السورية ـــــ الفلسطينية على أرض لبنان. يومها كان قائد القوات اللبنانية في طليعة المناهضين للوجود السوري. وكان يرى أن قاعدة «عدوّ عدوّي صديق» أو حتى حليف، قاعدة صحيحة. انفجر الصراع بين حافظ الأسد وياسر عرفات، فحلّ أبو عمار ضيفاً على شاشة القوات. بعدها تمدّد الصراع حرباً على مخيمات بيروت، فصار قلب «الشرقية» على مخيمي صبرا وشاتيلا. وفي السياق نفسه اندلعت المعركة ذاتها بين «أمل» وحزب الله. فقيل إن «التنظيم الأصولي الأول لدى الشيعة»، كما كانت تسميه أدبيات المنطقة الشرقية، وجد بين عين الرمانة وفرن الشباك ملاذاً لإجلاء جرحاه والعودة ببعض ذخيرة وسلاح لإكمال المعركة.
تفاهم ثانٍ، أكثر وضوحاً وتبلوراً، توصّل إليه جعجع مع حزب الله سنة 2005. كانت سوريا قد خرجت، و«حبيس اليرزة» يهم بالخروج حتماً، وكانت أسرار فترة الأسر كثيرة ثقيلة ومليئة بالتوريط. لكن وليد جنبلاط فتح الطريق. التقى جعجع وحسن نصر الله، في لائحة بعبدا ـــــ عاليه. بعد تفاوض وبحث وتدقيق، وقف الراحل إدمون نعيم، باسم قائد القوات، يقرأ بيان التحالف الاستراتيجي الجديد: «إننا نرشح أنفسنا للتضامن مع قضية تحرير كامل أرضنا المحتلة في الجنوب وحماية المقاومة».
هذا الكلام قاله وكيل جعجع، من عين الرمانة، وفي المدرسة التي خرّجت قائد القوات تلميذاً ثانوياً، ثانوية سعيد، في 6 حزيران 2005.
بعد يومين، قام أركان جعجع وحلفاؤه برد الزيارة. ذهبوا جميعاً، بنصاب كامل، إلى سيد المقاومة في مقرّه. جلسوا منصتين إلى كلام حسن نصر الله يؤكد لهم ومعهم وباسمهم، أن «لبنان لا يصبح 10452 كيلومتراً متربعاً بدون القرى السبع في شمال فلسطين المحتلة». بعدما كان السيد قد ضمن من حلفائه سلفاً ومسبقاً أن هذا اللبناني الذي قال به بشير الجميل، «يعني مزارع شبعا حتى قمم الجبال». وتابع أركان جعجع وأمين الجميل الإنصات يومها إلى مسلّمات تحالفهم مع حزب الله: «الصيغة التي تحمي لبنان هي الجيش والمقاومة، الدولة والشعب. ومن لديه صيغة أخرى فليتفضّل (...) نحن هنا نستفتي، لأن الناس شعروا بأن المقاومة وسلاحها مستهدفان من الأجنبي ومن أميركا وإسرائيل...».
وهزّ أركان جعجع والجميّل برؤوسهم طويلاً، حين شرح لهم السيد كيف أن تحالفهم هو لإنتاج مجلس نيابي مناقض لما يريده الأميركيون، فلا «يتابع تنفيذ مشروعهم الذي يخدم مصالحهم ومصالح إسرائيل». مجلس نيابي يؤازر حزب الله في مواجهة «المشروع التقسيمي التفتيتي الذي تقوده أميركا وإسرائيل».
وبدا أن «التفاهم» الثاني بين حزب الله وسمير جعجع قد نجح بالكامل. وهو ما تُرجم عملياً في تأليف «حكومة الاستقلال» السنيورية، وفي تضمين بيانها الوزاري ما يؤكد ذلك التفاهم.
بعد الحكومة ذهب الجميع إلى جلسات الثقة. شنّ ميشال عون هجومه على التحالف الرباعي. وكرر عدد من نوابه كلامه، فأخذ أحد وزراء حزب الله نائباً «عونياً» على حدة وسأله: «هل قرّرتم أن تأخذوا مكان القوات اللبنانية، بعدما صار هؤلاء على وفاق معنا؟».
مرّت أيام حكومة السنيورة على وقع معارضة عون لكل تركيبتها، وظهوره وحيداً في معارضته. وطيلة أشهر سجل الإعلام اللبناني غزلاً معلناً ومتكرراً ومتبادلاً بين أبرز مسؤولي حزب الله من جهة، وسمير جعجع من جهة أخرى...
في 6 شباط 2006، أعلن التفاهم بين ميشال عون وحسن نصر الله، فسقطت فوراً وفجأة كل صيغ «التفاهم» السابقة بين حزب الله والمسيحيين المناوئين لعون، ومن طرف هؤلاء تحديداً. مع أن «تفاهم» مار مخايل قدّم سقفاً أعلى من سقف بيان بعبدا ـــــ عاليه ومن سقف حكومة السنيورة، في موضوع سلاح «الحزب». ومع أنه أخذ من حسن نصر الله ما لم يأخذه مسيحيو السلطة في مسائل مسيحية أساسية، من المبعدين إلى إسرائيل، وصولاً إلى قانون الانتخاب، مروراً بالعلاقة مع سوريا. ومع ذلك سقط التفاهم. ساد التصادم. فصارت أحداث 8 أيار وما تلاها، نتيجة منطقية لكل ما سبق.
قبل ثلاثة أيام، قال سمير جعجع إن أقصى مناه أن يتفاهم مع حزب الله على شيء ما. فهل تصلح النصيحة بالبدء بالتفاهم مع ميشال عون، على مضمون تفاهم مار مخايل؟ علّ التفاهم الرابع الممكن إذذاك بين جعجع وحزب الله يجنّب المسيحيين أولاً، واللبنانيين تالياً لغة التصادم...