طرابلس ـ عبد الكافي الصمد

بدت طرابلس أمس كأنّها في سباق مع الزمن بين أحد احتمالين: إمّا انفجار الأوضاع الأمنية بشكل واسع، يضع المدينة ومناطق شمالية أخرى في قلب كرة اللهب، أو نزع فتيل الفتنة وتجنيب عاصمة الشّمال اقتتالاً داخلياً، يؤكّد جميع الفرقاء أنّه لن يصبّ في مصلحة أحد وتبدّى هذا المشهد على نحو بارز في توتر الأوضاع الأمنية في «خاصرة» طرابلس الرخوة، المتمثلة بمنطقتي باب التبّانة وجبل محسن، وتحوّل شارع سوريا الفاصل بينهما إلى خطّ تماس على جاري العادة؛ في موازاة جهود حثيثة تبذلها لجنة مكوّنة من شخصيات محلية، بعد عقدها لقاءات مع مختلف فرقاء الساحة الطرابلسية، في محاولة منها لإحياء لجنة تعمل على تجنيب طرابلس الاقتتال الداخلي، شبيهة بما كان يُسمّى «لجنة التنسيق الشمالية» التي كانت موجودة أيّام الحرب الأهلية، والتي أدّت دوراً مهمّاً في نزع الكثير من المشاكل وحلّها.
فقبل ظهر أمس، وخلال تشييع جثمان محسن عيد، شقيق رئيس «الحزب العربي الديموقراطي» النائب السابق على عيد إلى مقابر الطائفة العلوية، حدث إشكال في طلعة الكواع التي تقع في المنطقة الفاصلة بين محلتي باب التبّانة وجبل محسن، ما أدى إلى توتر الأوضاع الأمنية على نحو واسع، ترافق مع إطلاق كثيف للنّار، استخدمت فيه مختلف أنواع الأسلحة والقذائف. وقال شهود إن ستة أشخاص جرحوا في المعارك التي تحولت بعد ذلك إلى إطلاق لنيران القناصة من حين لآخر وجرح اثنان آخران في حادث سيارة وهما يحاولان الفرار.
وفيما تضاربت الروايات حول الإشكال، أفادت مصادر مطلعة «الأخبار» بأنّ «لدينا معطيات أولية عن أنّ جهات من خارج المنطقتين عملت على افتعال الحادثة، من أجل تأزيم الموقف وتفجير الوضع»، توسّعت لاحقاً دائرة الاشتباكات، ما دفع قوى الجيش الموجودة في المنطقة إلى الانسحاب لبعض الوقت، قبل أن تعود معزّزة بالعدّة والعتاد، فعملت على تهدئة الأوضاع، بعدما أسهم جو التوتر في خلو شوارع طرابلس من المارة والسيّارات، وهي التي كانت تشهد أصلاً حركة خفيفة في ظلّ استمرار الجامعات والمدارس في إغلاق أبوابها، تبعه ظهور علني لعناصر مسلحة في الأحياء الداخلية وأخرى موالية لـ«تيّار المستقبل» كانت تجوب بعض الشوارع، وتتمركز قرب مكاتب التيّار وفي بعض النقاط الرئيسية وعند بعض المداخل، فيما كانت قوى المعارضة، وتحديداً الرئيس عمر كرامي، وحركة «التوحيد الإسلامي»، و«جبهة العمل الإسلامي»، و«الحزب السوري القومي الاجتماعي»، تعمل على تعزيز عناصرها حول مكاتبها ومقارها الرئيسية، وسط انتشار كثيف للجيش اللبناني، الذي شكّلت نقاط تمركزه ما يشبه «خطوط فضّ اشتباك» بين الطرفين.
في مقابل ذلك، كثفت «لجنة المساعي الحميدة»، التي أدّت دوراً إيجابياً في تقريب وجهات النّظر بين الفرقاء في أكثر من محطة سابقة، وآخرها التوافق على اسم الشيخ مالك الشعّار مفتياً لطرابلس والشّمال، نشاطها ولقاءاتها، وزارت لهذه الغاية مختلف الفرقاء السّياسيين في طرابلس، في الموالاة والمعارضة على السواء، في محاولة منها للتوصّل إلى إعلان «وثيقة شرف»، تعمل على وضع ضوابط للأوضاع قبل انفلاتها من عقالها.
وفي هذا السياق، أوضح عضو اللجنة عبد الرزّاق قرحاني لـ«الأخبار» أنّ «أغلب الفاعليات والأحزاب والحركات السّياسية والدينية، وقعت على الوثيقة وأيدتها بلا تحفظ، وقد وقع على هذه الوثيقة كلّ من الرئيسين عمر كرامي ونجيب ميقاتي، والوزير محمد الصفدي، والنائبان سمير الجسر ومحمد كبّارة، ورئيس «جبهة العمل الإسلامي» النائب السابق فتحي يكن، والجماعة الإسلامية، و«تيار المستقبل» ممثلاً بمنسقه في الشمال عبد الغني كبّارة. وأنّها لم ولن تقبل بأيّ شكل من أشكال الفتنة ومقدماتها وأسبابها في طرابلس والشّمال خاصة، وفي لبنان عامّة، مهما تنوعت وتباينت رؤاها السياسية، وأعلنت موافقتها على خطوتنا من أجل تجنيب طرابلس والشمال أيّ اقتتال داخلي، وحلّ المشاكل بالطرق السلمية، منعاً لأي توتر أو انفلات أمني».
وإذ أشار قرحاني إلى أنّ «المحاذير الأمنية منعتنا من عقد اجتماع موسّع لفعاليات طرابلس السياسية»، فإنّه لفت إلى أنّ الوثيقة التي رعاها المفتي الشعّار «تتضمن ثلاثة بنود: الأول يمنع وجود أيّ مظهر من المظاهر المسلحة أمام المكاتب والمراكز وفي محيطها. والبند الثاني يقضي بتسليم مسؤولية الأمن في المدينة وفي محيط المراكز والمكاتب للجيش اللبناني والقوى الأمنية حصراً. والبند الثالث يتعلق بضبط العناصر والأتباع بشكل تام وكامل.
إلى ذلك أكد رئيس اللجنة الوطنية لتخليد ذكرى الشهيد محمد سليم المهندس خضر سليم أن "جهة وهمية تقف وراء البيان الصادر باسم مجموعة الشهيدين محمد سليم وحبيب كيروز والذي يهدد بالثأر لدماء القوميين الاجتماعيين الذين سقطوا خلال الأحداث المؤسفة في حلبا. واستنكر سليم إراقة دماء القوميين الاجتماعيين، كما دماء كل اللبنانيين الذين نحزن لسقوطهم في غير مواجهة العدو الإسرائيلي.