بمسعى من مفتي طرابلس مالك الشعار، وقّع زعماء وقوى طرابلس الأساسية في المعارضة والموالاة وثيقة يتعهّدون فيها بمنع الاقتتال داخل المدينة. وتكرّس هذه الوثيقة حال الهدوء النسبي الذي تعكّره من حين إلى آخر مناوشات بين باب التبانة وجبل محسن. إلا أنّ هذا الهدوء يبدو أشبه برماد يغلي تحته الجمر وما من رادع يمنع اشتعال النيران إلا توازن الرعب المهدَّد بالسقوط مع انتهاء المعارك في بيروت وجبل لبنان


غسان سعود

يوماً بعد يوم، تذهب توقّعات اشتعال مواجهات الشمال هدراً. فينجو الناس، ومعهم المقاتلون، لليوم السادس من معارك كانت المعطيات تؤشر إلى حتميّة وقوعها نتيجة أوهام سادت بشأن تكامل جسم تيار المستقبل العسكري من جهة، ونموّ المعارضة خلال الشهور القليلة الماضية من جهة أخرى.
فخلال الأسبوع الأول من المواجهات، فُرضت هدنة غير معلنة بين المعنيين بالصراع، رغم محاولة بعض النواب والزعماء المحليين تحريك اضطرابات في مدينة طرابلس وجوارها لمحاصرة نفوذ المعارضة، تمهيداً لإعلان الموالاة سيطرتها على الشمال.
ووفق رواية أحد الناشطين الشماليين، تحرّك أحد النوّاب بعد اجتماع معراب، في اليوم الأول من المواجهات، مبكراً، قاصداً الشمال لتوفير وسيلة تحقق هدف 14 آذار، لكنه فوجئ بالمسؤولين العسكريين في تيار المستقبل يبلغونه بأن التحرك في الظروف والتوقيت الحاليين يسمح للمستقبل بأن يسيطر بسرعة على قضاءي عكار والضنيّة، فيما سيشهد قضاء المنية معارك ضارية غير محسوبة النتائج، وخصوصاً إذا اتخذت المعارك بعداً عائلياً. أما طرابلس، فستكون معظم أحيائها، وخصوصاً أبي سمرا وجوارها، المينا، التل، والمعرض في قبضة المعارضة. ثمّ أُبلِغ النائب، الذي فوّض إلى نفسه الحلول محل قيادة المستقبل في التنسيق مع مسؤولي التيار في الشمال، بأن الكفّة في الأقضية المسيحية وخصوصاً زغرتا، الكورة، والبترون سترجح لمصلحة تيار المردة والقوميين وحلفائهما.
هنا، يتابع الناشط الشمالي، بدأت المشاكل داخل تيار المستقبل نفسه، الذي يغيب كل نوابه الشماليين عن السمع حين يتعلّق الأمر بالتوجيهات الميدانيّة شمالاً.
فمن جهة، رفض النائب التراجع، وأوعز إلى مناصريه، وخصوصاً في الأحياء الفقيرة جداً في المدينة، الاستعداد للحركة واستغلال أصغر حادث مع مؤيّدي المعارضة لافتعال مشكلة تبرّر الهجوم على مناطقهم، لتبدأ بعدها فوراً المناوشات بين جبل محسن وباب التبانة. ومن دون تنسيق مع المستقبل، كما يقول أحد نواب تيّار المستقبل العكاريين، كان مفتي عكار أسامة الرفاعي يستبدل مرجعيّة نواب المستقبل في المنطقة بعلاقة مستجدّة مع النائب السابق خالد الضاهر، وينسّقان معاً لقتال كل من يناصر «الكفرة»، أي أبناء الطائفة الشيعيّة (حين جرى التأكّد من أن غالبية الموجودين في مقر الحزب السوري القومي الاجتماعي من الطائفة السنيّة، أُبلغ إلى المقاتلين عدم التوقّف مهما كانت التسوية، ليكونوا بذلك «عبرة للآخرين»).
ويؤكد النائب المستقبلي أنّه وزملاءه شعروا بانفلات الأمور من أياديهم و«أبلغنا من يراجعنا بأننا لا نمون على مهاجمي مركز القومي للتراجع».
وهكذا، انتهى اليوم الثالث من العصيان المسلّح بصورة غريبة تظهر مسلّحي تيار الحريري يجوبون شوارع طرابلس هستيريّاً، كان يمكن أن تؤدي إلى مقتل المئات منهم، وفق الرؤية العسكرية، لو قررت المعارضة إدخال العاصمة الثانية في أتون النار. إذ كان الأطفال والرجال يتشاركون في المواكب نفسها، حاملين أسلحة متنوعة لم يسبق لمعظمهم استعمالها. وقد أحرق هؤلاء عدة منازل، إضافة إلى مكاتب التيار الوطني الحر، حزب البعث، والنائب السابق عبد الرحمن عبد الرحمن.
هذه الصورة، يحلّل طبيب مقرّب من تيار المستقبل، كانت نتيجة أربعة عوامل: أوّلها، تقدير الأهالي لتصرّف المعارضة المنضبط في بيروت مع أبناء الشمال الذين كان يمكن أن يلقوا حتفهم لقاء الأربعمئة ألف ليرة التي تعطيهم إياها شركات المستقبل الأمنيّة. وثانيها، عدم تعثّر معارضي الشمال بأيّة خطوة ناقصة توفّر لأهل المستقبل ذريعة الانقضاض عليهم (ويحكي هنا آخرون أن معظم إطلالات المعارضين الشماليين الإعلاميّة ومواقفهم السياسية كان متفقاً عليها مسبقاً).
أما ثالثها، يتابع الطبيب، فيتعلق بضياع مؤيّدي المستقبل وانهيار معنوياتهم نتيجة السقوط المدوي لتيار المستقبل والحزب التقدمي في بيروت والجبل.
وقد ازدادت التشنّجات بين النواب بعد الاعتداء على القوميين نتيجة الحضور القوي للحزب القومي في بلداتهم وإدراكهم أن عودتهم إلى منازلهم باتت مستحيلة.
ورابع العوامل هو التحذير «الجدّي جداً» الذي وجّهه ضباط كبار في الجيش اللبناني إلى مسؤولي المستقبل يحذرون فيه من زجِّ السلفيّة التكفيريّة في الصراع القائم، وإبلاغهم المعنيين بأن مخابرات الجيش ترصد محاولات كهذه، وستتصدى المؤسسة لأي توجه مماثل.
هذه المعطيات توضح مشهد طرابلس أمس، وانشغال الناس بمتابعة حياتهم العاديّة في كلِّ الأحياء، دون استثناء تلك التي طالها الشغب. والناس، كما يجمع معظمهم، «ما خصّهم» بعد أن حيّد زعماء المدينة أنفسهم واتفقوا على حل خلافاتهم دون سلاح.
الأمر الذي يلاقي استحسان من يقولون إنهم لا يجدون ما يأكلونه، إن توقفوا يوماً عن العمل.
أضف إلى ذلك إجماع مؤيّدي الرئيس نجيب ميقاتي والوزير محمد الصفدي على أنهما يمثّلان شريحة واسعة من أهالي المدينة، وهما غير معنيّين، من قريب ولا من بعيد بالصراع المسلّح الحاصل اليوم. وعلى صعيد المعارضة، التي تعرّضت لبعض الانتقادات نتيجة عدم ردّها على استفزازات المستقبل المتمثّلة بحرق مراكز معارضين ومنازلهم، إضافة إلى المجزرة المروّعة التي ارتكبت في مقرِّ القوميين في حلبا، فيقول أهلها إنهم فعلوا ما يجب عليهم حتى اليوم.
ويشرح الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي بلال شعبان أنه اضطلع، بعد أن أحكمت المعارضة سيطرتها على بيروت، باتصالات مكثفة بين الطريق الجديدة وغرفة عمليات المعارضة مهّدت الطريق أمام مشايخ من بيروت وصيدا يتقدمهم الشيخ ماهر حمود ليؤمّنوا عدم اقتحام الحزب للطريق الجديدة.
ولاحقاً، بدأت الحركة وجبهة العمل الإسلامي بحلِّ مسألة الذين فقدوا أثناء المواجهات.
ويؤكد شعبان أن غرفة عمليات المعارضة لم تطلب من مسؤولي المعارضة أي شيء غير ضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، ذلك أنّ المعارضة تتفهّم بعض ردود الفعل من جانب من يعطون حوادث بيروت بعداً مذهبيّاً.
بدوره، يقول رئيس حركة التوحيد الإسلامي ــــ مجلس القيادة، هاشم منقارة، إن معارضة الشمال اتخذت قراراً حاسماً بعدم الاعتداء على أحد أو جرّ المنطقة إلى حرب تحكم المعارضة في نهايتها سيطرتها على طرابلس. واطمأنت في الوقت نفسه إلى إدراك المستقبل وحلفائه أن أي اعتداء جدّي على القوى المعارضة المؤثّرة في الشمال سيكلّفهم
كثيراً.
ويشرح شعبان أن حديث الموالين عن سيطرتهم على الشمال هو إلهاء وتضليل للرأي العام، فقد اختار المستقبليون المكاتب الخالية لمهاجمتها، ولم يتعرّضوا لأي مركز يوجد فيه عناصر الرئيس عمر كرامي أو شباب «العمل الإسلامي»، مشيراً إلى أن جبل محسن، وخلافاً لما يسوقه أهل المستقبل، لن يتعرض لأي عمل عدائي، لأن ثمة تعهداً بذلك إن نكث به أصحابه يعرفون ما سيواجهونه. ويتحدث شعبان عن اجتماع عقد عصر أمس في مسجد طربا، وضمَّ كل فاعليّات باب التبانة، واتفق في نهايته على منع الاستخدام السياسي أو العسكري لساحة
التبّانة.
أما منقارة، فيرى أن الحوادث المتفرقة التي حصلت في الشمال هي جزء من حفلة جنون ترى المعارضة أنها لا تؤثر عمليّاً عليها وتضر في المقابل كثيراً بصورة تيار
المستقبل.
ورغم تذمّر البعض من سوء تنظيم المعارضة الشماليّة، حتى أثناء الأزمات، يشرح شعبان أن اجتماعات ثنائيّة مكثّفة تحصل يوميّاً، والخطة الموضوعة لا تحتاج إلى اجتماع موسع. فكلمة السر، إذا دعت الحاجة، ستسمح بإظهار ما تخبّئه المعارضة. بدوره، يؤكد منقارة أن مقاتلي المعارضة منتشرون في كلِّ أحياء طرابلس، وينتظرون خطأً كبيراً من تيار المستقبل للرد بالطريقة الموجعة المناسبة، شارحاً أن مناصري كرامي قادرون على السيطرة بسهولة على قلب المدينة المتمثّل في منطقة التل، ويمكنهم بالسهولة نفسها السيطرة على منطقة المعرض، فيما مناصرو شعبان يسيطرون أصلاً على منطقة أبي سمرا
وجوارها.
أمّا مناصرو منقارة، فيمسكون معظم أحياء مدينة المينا بقوّة. لكن ذلك لا ينفي، بحسب منقارة، وجود ضعف تنظيمي ــــ أمني يفترض بالمعارضة معالجته في أقرب وقت.
وفي المقابل، يرى منقارة، بحكم خبرته الأمنيّة الكبيرة، أنّ ميليشيا تيار المستقبل هي عبارة عن مجموعة مشتّتة، غير منظّمة، لا وجود لقائد يحرّكها، مشيراً إلى اضطراره عند ضرورة التفاوض مع المستقبل في أمر ما، إلى الاتصال بأكثر من
مسؤول.
يضاف إلى ذلك افتقاد مقاتلي المستقبل «العقيدة القتاليّة»، الأمر الذي يفسّر إصرارهم على تحويل المعركة «سنّية ــــ شيعية».
وعلى صعيد آخر، يقول مرجع معارض إن المستقبل لا يزال متردّداً في التنسيق الكامل مع السلفيّة الجهاديّة، مما منعه آنياً من اللجوء إلى أنصارها، رغم الشلل التنظيمي الذي أصابه، وخوف مسؤوليه من فقدان سيطرتهم على المدينة.
إلا أن ذلك لم يحل دون تنسيق المستقبل مع مجموعتين سلفيّتين في طرابلس (إضافة إلى مفتي عكار). ويوضح المرجع أن المجموعتين اللتين قبلتا العمل مع المستقبل اشترطتا عدم تلقّيهما الأوامر من مسؤوليه، والاكتفاء بفعل ما تراه مناسباً، سواء في حماية مسؤولي المستقبل ومراكزهم في الشمال أو في محاولة طرد الأحزاب العلمانيّة (القومي والبعث) من المدينة.
وفي هذا السياق، يرى شعبان أن المرحلة المقبلة تتطلب وعياً كبيراً من المعارضة، ومعالجة حكيمة للعلاقة مع السلفيين لقطع الطريق على ما سيسعى المستقبل والأميركيون من ورائهم لاستحداثه.
بموازاة هذا العرض لنظرة المعارضة الشماليّة لحالة ساحات مدينة المسلمين، يتبسّم أحد مسؤولي المعارضة شمالاً، شارحاً أن المعارضة الشماليّة مثل الأكثريّة، فوجئت بلحظة الصفر للمرحلة الجديدة، فالتزمت الهدوء وضبط النفس. إلا أن هذه الصورة قد تكون مرشّحة للتبدّل ما إن تنتهي المعارك الأساسيّة في بيروت والجبل.