مهى زراقط

تركض إلى زاوية غرفة الجلوس، تلصق ظهرها بالحائط وتقول: «بابا، شوف... مش أنا كنت طير لعندك من هون؟». يترك الوالد «الريموت كونترول» ويفتح ذراعيه لطفلته قائلاً: «وما زلتِ قادرة على الطيران يا بابا، يللا حاولي وستنجحين».
لا تكاد الطفلة تحرّك قدميها لتنطلق باتجاه والدها حتى يكون هو قد رفعها بين يديه إلى أعلى، مؤكداً لها أنها لا تزال قادرة على الطيران، وأنه هو أيضاً كان يطير مثلها، حتى بعدما أصبح كبيراً... أكبر من طفلته بثلاثين عاماً.
لكن سنوات طويلة فصلت بين فقدانه القدرة على الطيران واستعادتها مجدداً.

■ ■ ■

يتذكر ماهر أنه يوم توقف عن الطيران كان عمره ست سنوات، عمر طفلته اليوم.
كان والده يصرخ به، هو صغير إخوته الخمسة، «يللا، عجّل، هلق بيوصلوا». ذلك المساء كان والده يصرخ بالجميع، وخصوصاً بأمه: «قلت لكِ أخفي هذه الكتب... هل أنت متأكدة أنك وضعت ثياباً للجميع؟ لا تنسي دواء أمي... أين مفاتيح السيارة؟».
في ذلك المساء تحديداً افتقد قدرته على الطيران. صراخ والده وارتباك أمه جعلاه يخرج من البيت حافياً تاركاً حذاءه الرياضي الجديد. كان ليقول لهم: «إذا أعطيتموني الوقت لأرتدي حذائي فسأستطيع الطيران ولن أؤخركم أكثر»، لكن أحداً لم يكن جاهزاً لسماعه. الإسرائيليون دخلوا القرية ووشايات العملاء لن ترحم والده.
لا يتذكر كثيراً ما حصل في القرية آنذاك، يعرف أنه لم يعد يستطيع الطيران بين أغصان شجرة التين أو الغرف التحتية لمنزل جدّه في القرية. روت له والدته لاحقاً عن أيام خوف ورعب من القصف الإسرائيلي ووشايات عملاء سيصبحون أسياد مرحلة جديدة امتدت 22 عاماً.

■ ■ ■

في السيارة التي أقلّتهم عبر وادي السلوقي، وادي الشهداء اليوم، لم يكونوا وحيدين. رافق عائلته كلّ من جده وجدته وعمته وأولادها الثلاثة. يتذكر كيف حُشر بين ساقَي جدّه من جهة، وخلفية المقعد الأمامي للسيارة من جهة ثانية. بقي واقفاً حتى وصلوا إلى بيروت، كان يبكي كل الطريق رغم أنهم كانوا يصرخون به ليتوقف «لم أكن أبكي لأني تعبت من الوقوف كما كانوا يعتقدون، بل لأني كنت حافياً».
لا يستطيع أن ينسى أنه كان حافياً آنذاك. بل هذا أكثر ما يذكره عندما يُسأل عن اجتياح عام 1978. سبب إضافي لعدم النسيان أن السيارة تعطلت في صيدا فاضطر الركاب إلى التوقف والنزول منها. شعر بالقهر وهو ينظر إلى قدميه العاريتين. قال لأمه إنه لا يستطيع تحمّل ملمس التراب والحجارة تحت قدميه، فواسته بقبلة طالبة منه أن يتحمل قليلاً. «إلى اليوم أحزن على ذلك الطفل الذي كنته، وإلى اليوم أكره رؤية طفل حافي القدمين حتى لو كان في غرفته».
لكن مشهد الطفل حافي القدمين كان أوّل التغييرات التي ستشهدها حياته.
من منزل مؤلف من خمس غرف وجد ماهر نفسه في بيت مؤلف من غرفتين فقط، ينام على فراش من الإسفنج إلى جانب أطفال يتزايد عددهم يوماً بعد يوم مع تلاحق حركة نزوح أقاربه. كلّهم مثله، حرموا من شيء يحبونه. من افتقد طابته ومن يرغب بدفتره... ومن حزن على حبات زيتون كان سيصنع منها مسبحة. ولأنه كان أصغرهم، حُرم من المدرسة التي كان يرافق إخوته إليها في القرية.

■ ■ ■

في العاشرة من عمره كان ماهر يعيش المأساة مجدداً.
هذه المرة لم يُحشر في سيارة يملكها والده، ولم يهرب ليلاً. إنها شاحنة أقلّت عدداً كبيراً من أبناء قريته والقرى المجاورة واتجهت جنوباً هذه المرة. اجتياح بيروت في عام 1982 جعل النساء والأطفال يلجأون إلى القرى المحتلة. وكما في المرة السابقة، تعطلت الشاحنة وتوقفت عن السير في منطقة الشويفات. ثلاثة أيام بقي ركاب الشاحنة على الطريق في انتظار إصلاحها أو إرسال شاحنة بديلة منها. قهر إضافي شعر به الطفل المجبر مجدداً على نسيان طفولته والتصرّف كراشد وبحس المسؤولية كما قالت له أخته وهي توصيه الاهتمام بطفلة في الثانية من عمرها «انتبه لها، أنا ذاهبة للبحث عن مياه للشرب».
عندما يصل ماهر في روايته إلى هذه الحادثة يجد لنفسه مساحة للضحك... فتلك الطفلة هي زوجته اليوم. «ذلك اليوم كرهتها لأني أجبرت على عدم مفارقتها لساعات، لو كنت أعلم أنها ستكون من نصيبي وتصبح أمّ أطفالي ربما كنت شعرت بالسعادة».

■ ■ ■

في القرية المحتلة أقام ماهر مجدداً مع أمه وأربعة من إخوته. شقيقه الكبير بقي في بيروت مع والده، يعملان ويرسلان لهما المال الكافي لمعيشتهم.
ذكريات تلك السنوات لا تغيب عن البال: «انتسبنا إلى مدرسة في قرية مجاورة، كانت الطريق إليها عقاباً يومياً بسبب ممارسات العملاء المذلّة لنا وللسائق الذي كان يقلّنا». أبسط ما كان يقوم به أحد هؤلاء توقيف السيارة واستعراض سلاحه أمامهم، مهدّداً ومتوعداً بأن يعاقب كلّ من تسوّل له نفسه القيام بأمر قد لا يعجبه «مجرد استعراض، لكنه كان يقهرني يومياً»... قهر تضاعف عندما استدعيت والدته إلى التحقيق لسؤالها عن نشاط ابنها الكبير في بيروت «يومها عرفنا أنه يعمل مع المقاومة، وصارت أمي تفكر في إخراجنا أنا وأخي من القرية قبل استدعائنا إلى التجنيد الإجباري مع جيش لحد».
لكن العملاء سبقوا الوالدة، واستدعي ابنها عصام إلى التجنيد قبل أن يتمّ الثامنة عشرة من عمره. «عشنا أياماً مرعبة ونحن ننتظر أن يدق الباب كلّ لحظة ليأخذوني أيضاً، وخصوصاً أن طولي كان يجعلني أبدو أكبر من سني».
بعد ثلاثة أسابيع أمضاها عصام في المجيدية، حيث كان يتدرّب العملاء، عاد إلى قريته لساعات معدودة قبل أن يقوده خاله ليلاً، مع ماهر، إلى آخر نقطة يمكنه الوصول إليها في سيارته طالباً منهما عبور وادي السلوقي سيراً على الأقدام والفرار إلى المناطق المحررة. «كيف يمكن أن نخدم في جيش العملاء وأخي مقاوم؟»
بقيت الوالدة مع بناتها الثلاث في القرية اللواتي تعرّضن للاعتقال خلال مراحل متقطعة قبل أن يتخذ القرار بإبعاد العائلة من الجنوب نهائياً. «كان هذا القرار الذي ننتظره، وخصوصاً أننا انخرطنا كلنا في العمل المقاوم، ولم يعد ممكناً إخفاء هذه الحقيقة عن أهالي القرية ومنهم عملاء».

■ ■ ■

إنه 22 أيار من عام 2000. ماهر في الثامنة والعشرين من العمر يقود سيارته فجراً باتجاه الجنوب. يعود بالذاكرة سنوات طويلة إلى الوراء، يوم غادر قريته من دون حذاء. صورة تدفعه إلى مضاعفة سرعة السيارة التي حملت عدداً من أبناء قريته: «سندخلها اليوم».
من شقرا إلى حولا، أولى القرى الحدودية، كان العبور إلى الأراضي المحتلة سابقاً. «هناك فقط شعرت بأني استعدت قدرتي على الطيران، وعدتُ ذلك الطفل ابن السادسة الذي يحلم بحذاء رياضي يلعب فيه الكرة مع رفاقه في الحيّ».
في حولا خرج التلاميذ من المدرسة بعد أن سلّموا أوراق امتحاناتهم بيضاء من دون أي إجابة. خرجوا قبل أن يعرفوا أنهم تحرّروا، بل سمعوا أبواق السيارات والأغنيات الوطنية، ومنهم من شاهد أعلاماً لم يكن أحد يجرؤ على رفعها هناك. والدة أحد المقاومين عرفت ابنها وركعت عند قدميه وهي ترجوه ألا يقترب من قاتل والده الذي كان يمرّ أمامه في صف طويل من العملاء الذين سلّموا أنفسهم من دون أن يتعرّض لهم أحد...
مشاهد الانتصار والعودة إلى قرية محرّرة راسخة في الذاكرة، لكن ما هو أكثر رسوخاً «مشاعر السعادة التي لم أعرفها يوماً والتي أستعيدها في كلّ مرة أسرد فيها تفاصيل فجر 22 أيار».

■ ■ ■

تحلّق نور بين يدي والدها في فضاء الغرفة. يخرج بها إلى مصطبة البيت ثم إلى الحديقة حيث شجرة التين التي احتضنت طفولته. يقول لها: هنا أنا تعلمت الطيران، كنت اقفز بين الأغصان ولا أخاف من الوقوع لأني متأكد أن الشجرة التي زرعها جدي لن تخذلني... يللا يا بابا، أمسكي هذا الغصن لتتعلمي صعود الشجرة.



ليت «المثقفين» أمضوا ليلة مكان أهل الجنوبلا يعني هذا أنه لم يكن يتضايق من مثقفين يفاخرون بمقاومة الدول الأوروبية لمحتلّيها، وهي المقاومة التي أسست للتطور الطبيعي لتلك الدولة لتصبح حضارية، كما هي عليه اليوم وكما يحلم «المثقفون» أن تكون عليه دولتهم. لكنهم، رغم ذلك، يهاجمون المقاومة في بلادهم ولم يتورّع بعضهم عن اتهام أهالي الشهداء بإرسال أبنائهم إلى الموت لكي يتقاضوا تعويضات مالية من مؤسسات حزب الله.
رغم هذه الأصوات استمرّت المقاومة، وحققت انتصارها الأول الذي حرر جزءاً كبيراً من الجنوب. ثم حققت الانتصار الثاني متصدية لعدوان إسرائيل في تموز وآب 2006. بين الانتصارين تغيّرت أصوات المثقفين لتشكر المقاومة على ما فعلته و«كفى»...
يمكن ماهر أن يناقش مطولاً «بلغة المثقفين»، ويقارن بين ما فعلته المقاومة الإسلامية في عام 2000، وما فعلته المقاومة الفرنسية مثلاً، لكنه يختار الحديث بلسانه وأبناء القرى الجنوبية الذين عانوا من الاحتلال: «والدي عمره سبعين عاماً، يقسم أنه لم ينم ليلة مطمئناً في الجنوب إلا بعد تحرير عام 2000. كيف يمكن من لم يقف يوماً على حاجز إسرائيلي أو يسجن في زنزانة ويتعرّض لإذلال العملاء أن يطالب بسحب سلاح هزم الدولة التي لم يهزمها أحد من قبل»؟
سؤال لا إجابة له ما دام «المثقفون» عادوا للظهور مجدداً موقعين، بشكل حضاري، على بيان يعدّ «بقاء السلاح مع حزب الله نهاية لبنان»؟.