جبيل ــ جوانّا عازار

تتشابه الغرفتان اللّتان تكوّنان دائرة النفوس، بحيث تختنق كلّ منهما بالملفات والصناديق والخزائن. في غرفة «العمليّات» التي يتشاركها 5 موظّفين، لا تتوافر بقعة إلا تتكدّس فيها الملفّات والوثائق. 10 خزائن تحيط بالموظّفين من الجهات الأربع، وبعضها أكله الصدأ منذ زمن. وتتكدس الملّفات على أعلى الخزائن في صناديق كرتونية متعدّدة الأشكال والألوان: منها لمساحيق الغسيل، ومنها لعلب السجائر والشوكولا وأكياس البطاطا، ويكاد بعضها يتساقط على رؤوس الموظّفين. ولا يكفي هؤلاء أنّ مكاتبهم ملتصقة بعضها ببعض، وأن لا قدرة لهم على التحرّك بحريّة، فهم ينجزون كلّ معاملاتهم وعملهم يدويّاً مستعينين بالورقة والقلم، خاصّة أنّ الدائرة لم تعرف طعم العمل الإلكترونيّ أو المكننة بعد. وفي النتيجة أنّ الموظّفين محصورون في بقعة ضيّقة محاطون بآلاف الأوراق والملفّات هي المحفوظات التي لا يمكن تلفها إلا بإذن من وزير الداخليّة. كما أنّ الدائرة لم تصلها بعد أنظمة الأرشيف المتطوّرة التي تسمح بأرشفة الوثائق الأصليّة التي تحفظ في الدائرة، فيما تعطى نسخ طبق الأصل للمواطنين. إذاً لا مكننة ولا أنظمة أرشيف متطوّرة، والنتيجة أنّ العمل كلّه يدويّ ونظام الأرشيف هو الصناديق القابعة داخل الخزائن وخارجها.
وإذ لا يكفي الموظّفين أنّهم ينجزون جميع المعاملات يدويّاً، فإنّ أبسط الحاجات غير متوافرة لهم، ويبقى أنّ كلّ ما يحتاجون إليه يحصلون عليه بفضل مبادراتهم الشخصيّة كمثل مكيّف للهواء أو برّاد للمياه، وهي كماليّات يخافون أن ينتزعها أحد منهم.
غرفة مأمور النفوس ليست أفضل حالاً من غرفة الموّظفين، وفيها عدد أكبر من الملفّات، تعود إلى الفترة الممتدة بين عام 1952 واليوم. أثاث الغرفة يعود إلى التاريخ عينه، والتجديد لم يصل إليه باستثناء بعض التعديلات الطفيفة والإضافات منها الفاكس الذي استقدم أخيراً إلى المكتب، فيما يتولّى الموظّفون تحسين الحال «بالتي هي أحسن». وتقبع هنا أيضاً الملفات في صناديق من الكرتون لماركات عالميّة ولبنانيّة من السجائر والأجبان وأصباغ الشعر والمشروبات.
أمّا خارج الدائرة فتعلّق على الحائط جداول المخاتير التي تحتوي على الأرقام التسلسليّة لبطاقات الهوية المنجزة، حتّى إنّ بعضاً منها يعلّق على الحائط على مقربة فاضحة من باب الحمّام المجاور. هذا الحمّام مشترك بين دائرة النفوس ومكتب الماليّة، وحالته لا تقلّ سوءاً عن حالة الإدارة.
وفي حين يطلق بعض الوزار على الوضع عبارة «فالج لا تعالج»، يبقى الأمل في التغيير كبيراً وفي استرجاع حقّ المواطن وحقّ الموظّفين بنفض الغبار عن همم المعنيّين وعن دائرة قلم النفوس.