ثائر غندور

لا أحد يستطيع التكهّن بما دار في أذهان أولئك الذين صنعوا اتفاق الدوحة وجعلهم فجأة يقبلون بما كانوا يرفضون، فما توصّلوا إليه «هو حلّ كان يُمكن تحقيقه منذ أكثر من سنتين من دون هذا الكمّ من التعبئة المذهبيّة والتقاتل الداخلي» بحسب ما يقول أحد نوّاب بيروت.
عدم القدرة على التكهن سببه أن هؤلاء لم يصلوا بعد إلى بيروت لمحاولة استصراحهم، فضلاً عن كونهم قد لا يقولون الحقيقة، لكنّ هذا النائب يرى أن ما حصل إهانة لهم، وللمجلس النيابي والنظام السياسي بأكمله. ولا تكمن المشكلة فقط في الشكل الذي أُخرج به الاتفاق، بل في المضمون أيضاً. فأهم نتاج لحوار الدوحة هو قانون الانتخاب، لأن عمل الحكومة سيكون محصوراً بتسيير الأعمال والتحضير للانتخابات الجديدة.
ما الجديد الذي قدّمه قانون الانتخاب؟ في رأي هذا النائب الذي له العديد من الدراسات في الدستور اللبناني ومارس عمله كرجل قانون في المحاكم والوزارة والمجلس النيابي، إن وضع أي قانون للانتخاب يسبقه أمران أساسيان: تحديد الهدف من القانون، ووضع معايير ثابتة للانطلاق منها.
وحتى في أرقى الدول ـــــ يقول النائب ـــــ قد يعمد الحاكم إلى التلاعب بقانون الانتخاب تبعاً لمصالحه، لكن ذلك يبقى ضمن إطار المعايير. ويتساءل عن الهدف الذي حدّده هذا القانون، ويجيب، بالإشارة تحديداً إلى بيروت، بأن القانون ارتكز على كون الجمهور منقسماً مذهبياً، وأن كلّ السنة وراء المستقبل، والشيعة مصطفون خلف حزب الله وحركة أمل والمسيحيون لديهم تيارهم الوطني الحرّ وحزب الطاشناق. وبالتالي فإن على هؤلاء المواطنين أن يبقوا على هذه الحالة حتى إجراء الانتخابات بعد نحو عام، ما يعني أن تبقى الحساسيّة المذهبيّة في أعلى درجاتها حتى لا يخرج أي مواطن على الطاعة المذهبية، ووسائل الإعلام، وتحديداً المرئيّة «تقوم بهذا الدور عن طيب خاطر باعتبار نقل التشاتم المذهبي، على سبيل المثال، سبقاً صحافياً».
ويُضيف أن الاتفاق على توزيع المقاعد بين فريقي الموالاة والمعارضة هو إلغاء للعمليّة الديموقراطيّة ومهزلة جديدة. أمّا عن المعايير الثابتة، «فإن ما اتفق عليه يميّز بين المواطنين تمييزاً فاجراً، متجاوزاً ما نص عليه الدستور لجهة المساواة. ففي الدائرة الأولى في بيروت يُمثّل خمسة نوّاب 90 ألف ناخب أمّا في الثانية فيتمثّل 96 ألف ناخب بأربعة نوّاب وفي الثالثة يمثّل عشرة نوّاب 233 ألف ناخب، ما يعني أن لا تساوي بين صوت الناخب في الدوائر الثلاث. ويُمكن تعميم هذا الواقع على باقي الدوائر».
انطلاقاً من هذه القراءة السريعة، فإن هدف قانون الانتخاب لم يكن تطوير النظام السياسي ولا بناء الدولة، بل تكريس غياب المؤسسات. يُضاف إلى هذا غياب الشكل الواضح للآليّات التي ستعتمدها لإجراء الانتخابات، ولا تكفي عبارة تحذيرية من نوع «نقاش ما تضمّنه مشروع الهيئة المستقلّة لقانون الانتخاب».
يقول النائب البيروتي إن ما حصّل نكسة جديدة للديموقراطيّة في لبنان، وتراجع في نظامنا السياسي، وهو تكملة لعمليّة التقسيم المذهبي بين اللبنانيين، من الصعب تجاوزها حتى لو حصل الاتفاق السياسي، رغم أن أمر تجاوزها متروك للسلطة السياسيّة التي أعادت إنتاج نفسها في الدوحة!