غسان سعود

وسط ابتهاج اللبنانيين بتوصل زعمائهم إلى اتفاق الدوحة، وبموازاة نزول البعض إلى الشارع للاحتفال بتحديد موعد نهائي لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة، كانت المجموعة الضيّقة في التيار الوطني الحر التي حافظت على تماسكها وتمسكها خمسة عشر عاماً بمشروع العماد ميشال عون لتحرير لبنان تعيش حزناً خاصاً مما وصفه أحدهم بخطف حلم رئاسة الجمهوريّة. هذا الحلم الذي كبر مع جيل من العونيين آمن بأن التغيير الذي يتوقعه في الدولة على مختلف الصعد يرتبط بوصول عون إلى الكرسي الأولى، وقد تراكمت خصوصاً بعد وصول العماد إميل لحود إلى بعبدا عام 1998 الأدلة التي تدعم هذا الاقتناع العوني، المرتكزة أساساً على أن الأمر لا يتعلق بخلفيّة عون العسكريّة أو بتقديمه مشروعاً تغييرياً أو بقيادته للحركة التحرريّة، بل بمجموعة عناصر معنوية توحي للبنانيين الثقة بالتيار وبصدقيته السياسية والأخلاقية.
من هنا، فإن بذلة سليمان لا تشفع له عند هؤلاء الذين لا يثقون بأن بناء الدولة القويّة التي يتطلعون إليها ممكن بغير عمادهم الأصلي. يضاف إلى خيبة العونيين، قلق من عدم اتضاح معالم المرحلة المقبلة على صعيد العلاقة بين سيّد الرابية وسيّد بعبدا الجديد. ويرى المسؤول في التيار بسام الهاشم أن سليمان أمام خيارين، فإما يقرر ترؤس تيار سياسي أو العمل على بناء الجمهوريّة. في الاحتمال الأول، سيصطدم سليمان على الأرجح بالتيار الوطني الحر، لأن معظم الذين سينضمون إلى تيّاره سيكونون إما من الأنصار التقليديين للمؤسسة العسكرية (ومعظم هؤلاء مقربون من التيّار اليوم) أو من الناقمين على التيّار. أما الاحتمال الثاني فسيدفع العونيين إلى الالتفاف حوله ليكون التيّار بذلك الخميرة التي يبني سليمان عليها والرافعة لبناءالدولة.
ويرى الهاشم أن الحالة العونيّة ستكون بنتيجة الواقع الجديد أمام تحديين صعبين هما انسحاب المؤيدين الذين اندفعوا أخيراً صوب التيّار بحثاً عن الفرص التي توفرها الرئاسة الأولى، وطرح رؤية وخطة عمل من شأنهما لمّ شمل العونيين من جديد.
هذا في الدائرة الصغرى، أما في الكبرى فالتفاؤل أكبر نتيجة ما يصفه البعض بتحقيق المعارضة عبر اتفاق الدوحة انتصاراً كبيراً، وتثبيت نظرية عون بضرورة الاتفاق على السلّة المتكاملة قبل انتخاب الرئيس. والكلام هنا عن عون، يتحول من رئيس منتظر للجمهوريّة إلى «رمز وطني سيسجل التاريخ استرجاعه جزءاً كبيراً من حقوق المسيحيين».
ويرى أحد مسؤولي التيار أن كثراً من الحياديين قدّروا نجاح عون في إيصال المسيحيين إلى مكان ما، خلافاً لما قيل لهم. وسيكون هؤلاء أشبه بكرة الثلج التي ستأخذ معها كل الشائعات عن أنانيّة عون وتذرعه المطالبة بالسلّة المتكاملة لتعطيل انتخاب الرئيس.
وهذه الكرة، بحسب المسؤول المتفائل، ستكون أكبر بكثير ممّن سيتساقطون نتيجة عدم وصول عون إلى بعبدا، إضافة إلى توقّعه أن يكون عون في المرحلة المقبلة أكثر تفرغاً للاهتمام بالكتلة الصغيرة، الحزينة اليوم.
ويرى المسؤول في التيّار حكمت ديب أن الفرحة بنجاح عون في استرجاع حق المسيحيين بانتخاب ممثليهم في قرابة 25 مقعداً نيابياً طغت على كل ما عداها، وخصوصاً أن عون كان قد حضّر الرأي العام، وخصوصاً مؤيديه، إلى حتميّة تخلِّيه عن الترشح لرئاسة الجمهورية إن هو ضمن استمرارية الجمهورية عبر إقرار السلّة المتكاملة، لافتاً إلى تحقيق زعيم التيّار إنجازاً كبيراً ربما كان سيصعب عليه تحقيقه حتى لو وصل إلى بعبدا نتيجة الشلل اللاحق بصلاحيات الرئيس.
ويؤكد أحد زملاء ديب أن عون سيكون «رجل الجمهوريّة»، كما تدّعي الملصقات التي يرفعها العونيون منذ سنوات، من خلال مشاركته الفعّالة في مجلس الوزراء ومن خلال كتلته النيابيّة، مشدداً على ضرورة أن تأخذ كل القوى الفاعلة في الاعتبار نجاح عون في كسر احتكار تيار معين للتمثيل في العاصمة. وتشدد مجموعة العونيين هذه أن عون عاد من الدوحة «أقوى من كل الرؤساء»، مكرساً زعامته المسيحيّة، ومستحقاً بجدارة لقب «المواطن اللبناني الأول»، ومقنعاً المشككين بنجاح التفاهم مع حزب الله باستعادة جزء مهم من حقوق المسيحيين.
وطبعاً سيكون «مسيحيو قريطم» محرجين أمام أنصارهم لسقوط ما ادعوه ولظهورهم مظهر العاجزين عن التأثير في إرادة تيار المستقبل الهيمنة على غالبية مقاعد المسيحيين النيابيّة.
وبين التشاؤم والتفاؤل، يفضل بعض العونيين انتظار اتضاح ملامح المرحلة المقبلة ليحكموا سلباً أو إيجاباً على نتائج الدوحة، وخصوصاً تحديد الحقائب الحكوميّة التي ستعطى لعون، وهويّة قائد الجيش الجديد، وسط آمال البعض بأن تسهم نتائج الانتخابات النيابيّة المقبلة في إعادة رسم الخريطة السياسية.