ليال حداد

بدا منظر البالونات الملوّنة والورود الحمراء غريباً على منطقة كورنيش المزرعة. تلك المنطقة التي تعوّدت في الفترة الأخيرة صوت الرصاص والقذائف والتي كان آخرها جولة العنف التي حصلت ليلة أول من أمس.
ارتدى الكورنيش أمس حلة «المصالحة والسلام»، فاجتمع سكانه أمام مقر «مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب»، ليؤكدوا أنّ كل الحلول والاتفاقات لن تكون مقبولة قبل الاعتذار ومعاقبة مرتكبي الانتهاكات في المنطقة.
النشاط الذي كان مقرّراً على الطريق العام، انتقل إلى أمام مكتب المركز، بناءً على طلب الجيش اللبناني، بعد التوترات الأمنية الأخيرة، الأمر الذي أزعج بعض الحاضرين، «إذ كان من الممكن أن يمثّل النشاط فرصة مناسبة لرفض ما يحصل»، تقول إحدى الناشطات في المركز.
إلا أن هذا العائق لم يمنع الناشطين من جذب السكان الذين حملوا الورود الحمراء معبّرين عن رغبتهم في عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه سابقاً، «كنت خائفة اليوم أن أرسل أولادي إلى المدرسة»، تقول السيدة هدى زيدان التي تتحدّث عن الرعب المتواصل الذي يعيشه سكان المنطقة منذ أسابيع «خوفاً من أن تعود الاشتباكات».
تشابهت آراء المارّين، «الجرح كبير» عند الجميع، والخوف أكبر «على أمل أن تتمكّن هذه الورود الحمراء من مساعدتنا على تخطّي الصدمة»، تقول الحاجة هيام فتح الله، فتقاطعها ابنتها «الله يرحم رفيق الحريري، لو بعدو هون كنا عايشين عيشة ملوك».
حمل النشاط عنوان «الكورنيش مش للمتاريس المطلوب الاعتذار ومعاقبة مرتكبي الانتهاكات»، وهو ما طالب به منظّمو النشاط.
وللمناسبة ألقى الأمين العام لـ«مركز الخيام» محمد صفا كلمة جاء فيها: «نقف هنا اليوم لأن الشوارع ليست للمتاريس والكورنيش ليس للمتاريس، ولبنان عليه أن ينسى المتاريس. فشوارع بيروت والجبل والشمال والجنوب والبقاع هي أماكن للسلام والمحبة والعيش المشترك والتلاقي. نقف هنا لا لننكأ الجراح، بل لأننا من أنصار السلم الأهلي ودعاة حقوق الإنسان ونبذ العنف والتعذيب. نقف هنا لنقول إن رغيف الخبز ليس له هوية طائفية. لقد مزّقت الطبقة السياسية الوطن وفتّتت الشعب دفاعاً عن مصالحها لا عن طوائفها. وها هم تبادلوا القبلات الحارة في الدوحة وبيروت، وتقاسموا الحصص الوزارية وفصّلوا قانون الانتخاب على مقاسهم، بينما أولادنا قتلوا ويقتلون برصاصهم الطائش والمنظّم».
وأضاف: «إن اختلفوا فنحن الضحايا، وإن اتفقوا فنحن الضحايا. لذلك نقف اليوم رافضين أن نكون ضحايا حروبهم، رافضين أن نكون مجرد رؤوس وأرقام في صناديق انتخاباتهم، رافضين أن نكون وقوداً لفتنتهم الطائفية والمذهبية. لقد سئمنا الحروب والمتاريس، نريد السلام، السلام الأهلي الحقيقي. نريد وطناً تحترم فيه حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. نريد وطناً يعاقب فيه المجرم والمعتدي. وطالب القادة السياسيين بالاعتذار من الشعب اللبناني ومن عائلات الشهداء والجرحى وكل المتضررين والتعويض عليهم. يوافق الحاضرون على ما يقوله صفا، وخصوصاً أن الخطر لا يزال يتهدّد منطقة كورنيش المزرعة عند كل خطاب سياسي أو أي مناسبة، «يعني الشباب ناطرين بعض على غلطة» تقول مريم عيتاني، وتشرح أنّ معاقبة المجرمين هي الحل الوحيد لتخطّي الخوف الذي يعيشه أهالي بيروت، «لازم ينسحب السلاح من كل العالم، ويبقى السلاح يلّي ضد إسرائيل».
إلا أن النشاط لم يمرّ دون تعليقات «مزعجة» من بعض الشباب، «فلا سلام ولا من يحزنون، رح ترجع تولع، وقريباً، نحنا ما نسينا» يقول أحد الشباب، ويضيف «يلّي صار بالدوحة تمثيل بتمثيل، شو إنو هلّق صارو السيد حسن نصر الله وسعد الحريري يحبّو بعض؟».
ومن المتوقّع أن تنظّم جمعيات المجتمع المدني نشاطات مشابهة على جميع الأراضي اللبنانية، مطالبة بمعاقبة الزعماء السياسيين، وهو ما دعا إليه صفا مشدداً «على ضرورة إطلاق حملة شعبية من أجل إعادة اللحمة الوطنية والاجتماعية بين المواطنين».
وعند نهاية النشاط، أطلق الحاضرون البالونات الملوّنة في الهواء، «نحن أيضاً نحب الحياة، نحبها بلا رائحة دم، وصوت أسلحة وصور جثث على الطرقات».