نقلة نوعية في أسلوب «الابتهاج» اللبناني برزت يوم الجمعة الفائت: من السلاح الخفيف إلى «الصاروخي» في بيروت والضواحي، فيما بدا أنه مزاد لاستعراض القوى بين مناصري الأطراف السياسية، وسط تقصير الأجهزة الأمنية في أداء واجبها

كمال شعيتو
«البارجة الأميركية عم تقصف، سمعت صوت ضرب من البحر». هذا ما قاله أحد الأصدقاء لحظة سماعه صوت انفجارات ضخمة يوم الجمعة الفائت. أمّا أم أمين، فنادت على أطفالها: «عم يقصفوا، الله أكبر، اهربوااا..». وحالها كحال جيرانها في أحد مباني الشياح الذين ولّوا هاربين خوفاً من «القصف»، بعدما جمعوا ما تيسر من حاجياتهم. لكنهم سرعان ما عادوا إلى منازلهم بعدما تبين لهم أن القصف المفترض لم يكن سوى «ابتهاج» بعض أبناء المنطقة بظهور رئيس مجلس النواب نبيه بري على شاشة التلفزيون.
ففيما سجلت حوادث خجولة لإطلاق النار في الهواء أثناء ظهور العماد ميشال عون والرئيس الأسبق أمين الجميل يوم 28-2-2008 على الشاشات، فإن الأمر اختلف جذرياً مع ظهور بري. فعلى جادة السيد هادي نصر الله، تجمع العشرات من مناصري حركة أمل وعناصرها، وأقفلوا الطريق الممتدة من تقاطع الشهيدين حتى مبنى فصيلة الغبيري، حيث كان بعض من أفراد الأمن بالقرب منه «يقفون متفرجين».
وقبل ظهور الرئيس بري بدقائق، تقدم أحد المدنيين وهو يحمل قاذف آر بي جي محشواً، وسط هتافات المؤيدين المشجعة، وأطلق قذيفته في الهواء لتتوالى من بعدها مئات الرشقات النارية من أسلحة رشاشة. ومع لحظ اختفاء الأجهزة الأمنية، تنافس المتجمهرون على إحضار أسلحتهم حتى وصل عددها إلى عشر بنادق تقريباً. بعدها، تحول الميدان الى ما يشبه السوق. «مين يللي بدو 100 طلقة؟. مين بدو يستعمل بارودة؟ ادفع 40 دولاراً وما تتعرف على شي، انت بس بتضرب الـB7». الأمر الذي أدى الى تناوب شباب وأطفال من مختلف الأعمار على استعمال الأسلحة، فضلاً عن قدوم أشخاص من مناطق مختلفة لشراء الذخائر وسط ارتفاع أسعارها، فمئة طلقة كلاشنيكوف بيعت بمئة وعشرين ألف ليرة.
أمّا بعض سكان الأبنية المجاورة للمكان، فكان لهم ابتهاجهم أيضاً. شخص يطل من على شرفة منزله مطلقاً النار من سلاح كلاشنيكوف، وآخر من على السطح يتولى بسلاحه المتوسط تنظيم رشقاته على نغمات معينة. فيما أطلق بعض سائقي السيارات التي سُمح لها بالمرور خلال ساعة ونصف ساعة من الابتهاج المتواصل، النار من مسدساتهم.
حامل القاذف لم يغب، فبين الفينة والأخرى، يسحب سلاحه من إحدى السيارات ويحشوه ثم يتحلق الكبار والصغار من حوله في حلقة بعيدة، بينما هو يتوسط الشارع ليطلق قذيفته باتجاه «الهواء» مرة أخرى، فتتبعها صيحات الابتهاج ورشقات «التنغيم» من مختلف القطع الحربية الموجودة على الأرض، علماً أن عدد القذائف التي أطلقت قدّر بحوالى 15، كما قال أحد الشهود العيان.
في هذه الأثناء، كانت المعلومات تصل تباعاً إلى الأجهزة الأمنية، التي لم تحرّك ساكناً: رصد ما يقارب 40 قذيفة آر بي جي، وإطلاق نار كثيف من عشرات المناطق: زقاق البلاط، الزيدانية، حي اللجا، الخندق الغميق، الضاحية، عين الرمانة، رويسات الجديدة وغيرها. لكن التصويب باتجاه «الهواء» أسفر عن سقوط فراش قذيفة B7 بالقرب من هيثم م. في شارع الرواس بطريق الجديدة، مما أصابه بانهيار عصبي. وسقط «فراش» آخر وسط الطريق بالمحلة نفسها، قرب مدرسة البر والإحسان. أمّا في صبرا، فقد انفجرت إحدى القذائف في حمام منزل خالد ل.، بينما انفجرت أخرى في حارة حريك، داخل غرفة نوم منزل فاطمة م. هذا فضلاً عن إصابة محمد الطباع (مواليد 1988) برصاص طائش في كتفه اليمنى أثناء مروره في طريق الجديدة، وعماد السعيد (مواليد 1990) في فخذه اليمنى أثناء وجوده في حي التمليص.
هذا التطور النوعي الذي يشهده الشارع لدى ظهور أي من القادة السياسيين على شاشات التلفزة، يدعو إلى التساؤل عن دور القوى الأمنية (قوى أمن وجيش) التي أقل ما يمكن قوله فيها إنها كانت غائبة بشكل أطلقت فيه العنان للمواطنين. فحادثة ترويع المواطنين في عرمون لا تزال ماثلة في أذهان الناس، ولا سيما أن مطلقي النار بمعظمهم معروفو الهوية كاملة لدى القوى الأمنية وأجهزتها، التي حضرت بعد ساعة تقريباً من وقوع الحادثة، ولم تقدم على توقيف أحد حتى اللحظة. كما يتبادر إلى الأذهان إطلاق النار الكثيف الذي جرى خلال تشييع الرائد الشهيد وسام عيد في دير عمار، حيث ظهر عشرات المدنيين المسلحين الذين أطلقوا العيارات النارية في الهواء أمام مرأى من الضباط والقضاة والسياسيين والمدنيين، ووسط الأحياء الآهلة بالسكان، فيما لم تعمل القوى الأمنية على توقيف أي منهم، وأشرطة الفيديو موجودة لدى وسائل الإعلام، عدا عن وجود عشرات عناصر المخابرات وفرع المعلومات في المكان حينها. وتُضم إلى ذلك أيضاً حالات مماثلة حدثت مع ظهور النائب سعد الحريري الأخير على الشاشات.
تلك الحوادث تدفع إلى السؤال: لو أن الأجهزة الأمنية أوقفت المشتبه فيهم في الحوادث السابقة وأحالتهم على القضاء، ألم يكن ذلك سيمثّل نوعاً من الردع لمطلقي النار، أو أقله، كان هؤلاء سيأخذون بالحسبان التبعات القانونية المحتملة لأفعالهم؟ وفي مكان آخر، يهجس مواطنون: ما هو سقف المزاد الاستعراضي المسلّح بين طرفي الصراع السياسي؟ وماذا سيحصل لحظة ظهور أحد قادة الموالاة على الشاشات في المستقبل القريب؟