أنطوان سعد

من الأمور القليلة جداً التي تتفق عليها أوساط طرفي النزاع الدائر حالياً في لبنان، الموالاة والمعارضة، هو أن الفترة الفاصلة عن موعد انعقاد القمة سوف تشهد استمراراً للهدوء الأمني والتهدئة للتصعيد الكلامي، رغم عودة التدهور الأمني واستهداف الجيش الأميركي في العراق، وما يحصل في الأراضي الفلسطينية، على أن يمثِّل انتهاء أعمال القمة بداية عملية ارتفاع حدة الأزمة وسط استعدادات كل من الطرفين لفترة ما بعدها، باعتبار أن ثمة اقتناعاً لديهما بأنه ما لم تنجح المساعي قبل القمة العربية في دمشق في انتخاب رئيس للجمهورية فهذا يعني أنه لا مجال لهذا الانتخاب قبل عام على الأقل. طبعاً، مع أرجحية كبيرة للاحتمال الثاني.
تتمحور استعدادات الموالاة حول أمرين: تفعيل الوضع الحكومي عبر تعيين بديل للوزير بيار الجميل، وتحصين فريق الأكثرية استعداداً لصدور القرار الاتهامي عند تأليف المحكمة الدولية وبدء أعمالها. وبحسب مصادر حكومية، أول ما ستقوم به قيادة قوى الرابع عشر من آذار هو مفاتحة البطريرك الماروني نصر الله صفير بموضوع تعيين رئيس حزب الكتائب اللبنانية أمين الجميل وزيراً في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. وسوف تسعى الجهات المسيحية في فريق الموالاة إلى أن تظهر لسيد بكركي الانعكاسات الإيجابية لتوزير الجميل على مستوى زيادة فاعلية الدور المسيحي في السلطة الإجرائية وانعكاساته إيجابياً على تصحيح الخلل في التوازن الذي يعتري المؤسسات الدستورية والإدارات العامة.
وفي هذا الإطار، ترى أوساط مارونية مستقلة، أقرب قليلاً إلى المعارضة، أن الحل الأنسب هو تعيين الرئيس الجميل وزيراً قبل موعد القمة العربية في دمشق وتكليفه برئاسة الوفد اللبناني إليها. إذ من شأن ذلك أن يجعل إقدام الحكومة ورئيسها على تعيينه أقل وطأة على الرأي العام المسيحي عموماً، ولن يكون إذّاك بإمكان المعارضين الاستفادة كثيراً من هذه الخطوة وشن حملة قاسية للاعتراض على استعمال الصلاحية الأساسية الوحيدة الباقية لرئيس الجمهورية، وهي إصدار مرسوم تعيين الوزراء مع رئيس الحكومة. باعتبار أن تعيين الجميل وترئيسه الوفد الرسمي اللبناني هو تأكيد لحفظ الموقع الأول في الدولة اللبنانية لماروني.
أما بالنسبة إلى تحصين فريق الموالاة بعد القمة وقبل صدور القرار الاتهامي، فالتفكير الأول يتجه نحو إعادة سفر نواب الأكثرية النيابية غير القادرين على تأمين حماية فاعلة إلى خارج لبنان. ذلك أن ثمة اقتناعاً لدى معظم المراقبين والأوساط المطلعة في الموالاة والمعارضة وما بينهما بأن عمليات الاغتيال سوف تستأنف بعد القمة.
من جهة المعارضة، فإن المصادر القريبة منها، تلفت إلى أن الاتجاه بعد القمة هو لتخفيف القيود على عملية استئناف التظاهرات وقطع الطرق بالدواليب وحرقها التي تشددت فيها بعد المواجهات في أحياء بيروت قبل أسابيع. وما يجري درسه هو السيناريوات للتحركات في الشارع في ضوء أحداث مار مخايل وانعكاساتها السلبية على الجيش ومعنوياته «التي لا تزال المعارضة تقيم لها وزناً كبيراً واهتماماً بالغاً»، على حد تعبير مصدر نيابي معارض لا يخفي بوضوح عدم حماسته لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية.
في ضوء هذه المعطيات وغيرها، يرى سياسي لبناني بارز أن الغيوم تتجمع فوق لبنان بانتظار العاصفة الآتية برأيه بين منتصف الربيع ومطلع الخريف المقبلين. وهو يتوقع عاصفة قاسية لأن احتمالات «الحل على البارد» تتلاشى بما يفسح في المجال أمام حل ناتج من المعادلة التي سوف تسود في لبنان بعد العاصفة. أما شكلها فيمكن أن يرتدي طابع المواجهة الداخلية كما يمكن أن يأخذ شكل ضربات إسرائيلية وعمليات حربية في البقاع تستهدف التنظيمات الفلسطينية المعارضة للسلطة الفلسطينية ولخيار التوصل إلى التسوية مع الدولة العبرية، كما أنها قد تطال حزب الله ومواقعه في تلك المنطقة. وهذا ما يبرر التهافت اللافت الذي لفتت إليه الأخبار أمس، على طلب استصدار جوازات سفر لأبناء البقاع القلقين من أخبار التعزيزات والاستعدادات الإسرائيلية، كما من التحصينات والإجراءات التي تأخذها القوى الفلسطينية.
شد حبال قاسٍ لا بد من أن يؤول في نهاية الأمر إلى ما لا تحمد عقباه في ظل الاستمرار في الفراغ الرئاسي وشلل المؤسسات الدستورية والتعبئة الطائفية للجماهير التي تمارسها القوى السياسية اللبنانية على مختلف اتجاهاتها.