أنطوان سعد


أكدت أوساط مارونية قريبة من البطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير لـ«الأخبار» أن السياسة المتّبعة من جانب المعارضة المسيحية التي يبدو أنها ترمي إلى إحراج سيد بكركي وحمله على الانكفاء لن تجديها نفعاً، وأن عليها اتّباع وسيلة أخرى لإقناعه بمواقفها.
وتضيف: «لقد برهنت الأيام أن البطريرك صفير ليس من النوع الذي يتراجع أمام التهويل والضغوط ومحاولات الإحراج والاتهام بالتحيّز لفريق دون آخر.
إن الأطراف نفسها سبق أن اتهمته بالانحياز إلى فريق مسيحي دون آخر أيام الهيمنة السورية من غير أن تتمكّن من إحراجه أو حمله على إضافة ماء إلى نبيذه، فاستمر بأسلوبه الممزوج بالصلابة والمرونة ينادي بخروج القوات السورية من لبنان واستعادة السيادة والقرار الحر».
ليس من المجدي إذاً أن تهاجم أوساط المعارضة الموقع البطريركي، بل أن تسعى إلى توضيح وجهة نظرها كما تفعل الموالاة في كل مرة تتباين فيها وجهات النظر مع سيد بكركي. وعلى سبيل المثال، وقع الكثير من الاختلاف، ما بين البطريركية المارونية والأكثرية، بالرأي منذ تشرين الثاني 2006، ولم يصل الفريق الحاكم والمتحالفون معه، باستثناء بعض الأطراف غير المهمين في قوى الرابع عشر من آذار، من أمثال عميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس إده، إلى نصف منسوب التشنج الذي وصلت إليه المعارضة في التعبير عن الاستياء من موقف بكركي
وسيدها.
إذ عندما انتقدت البطريركية المارونية الفريق الحاكم لإهماله المتعمد لحقوق المسيحيين في التعيينات في الإدارة العامة وبالتحديد في وزارة التربية وقوى الأمن الداخلي وفي العطلة الرسمية يوم الجمعة العظيمة وإقرار حقوق الطفل في الإسلام وتملّك الأجانب بنسب مقلقة، وحين رفضت انتخاب رئيس الجمهورية بغير نصاب ثلثي أعضاء مجلس النواب، ووافقت على تعديل الدستور لانتخاب قائد الجيش لم يتهم أقطاب الأكثرية البطريرك صفير بالتحيز لمصلحة المعارضة، ولم يتعدّ ردّ فعلهم حدود إعطاء بكركي دروساً في القانون الدستوري، أو ادّعاء تفسير مواقفها على نحو مغاير لمقصد البطريرك. هذا فضلاً عن مواقف البطريرك صفير إبان الانتخابات النيابية الأخيرة، التي يرى أكثر من مرشح راسب من قوى الرابع عشر من آذار أنها سبّبت خسارته.
لقد انزعج كثيراً معظم أقطاب الأكثرية من مواقف سيد بكركي المشار إليها واستشاط غيظاً وقال كلاماً نابياً بحقه في مجالسه الخاصة، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد المطالبة بإقالته، وليس فقط مطالبته بالاستقالة. لكن هؤلاء سرعان ما استدركوا أنفسهم، وخصوصاً عندما عرفوا أن ما قالوه قد بلغ البطريرك، فاستعاضوا عن الشتيمة بالمواظبة على زيارة بكركي وتوضيح مواقفهم لسيدها ومحاولة إقناعه برأيهم. ولم يستسهلوا بالتالي الظهور على شاشات التلفزيون وإطلاق الكلام والاتهامات جزافاً أو السكوت عن التهجم على البطريرك الماروني، على رغم أن بعضهم مقرّب شخصياً منه وقام بتعيينه في دوائر تابعة للبطريركية نظراً لثقته وتقديره
له.
على رغم كل ما جرى، تؤكد الأوساط القريبة من بكركي أن البطريرك صفير لا يرى أنه في مواجهة مع أي طرف لبناني. بل إنه انطلاقاً من اقتناعاته بضرورة تحقيق الاستقرار السياسي، كي لا تتدهور حال الفراغ على مستوى الرئاسة إلى فوضى أمنية، عناصر اشتعالها متوافرة بكثرة في لبنان ومحيطه، فهو مع إجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت ممكن. لذلك فإنّه يتصدى لمن يراه معرقلاً لهذه العملية، غير آبه بما يُتّهم به من انحياز ما دام مقتنعاً تمام الاقتناع بأنه ليس منحازاً. وإذا كان في المعارضة من يرى أن البطريرك صفير مخطئ فما عليه إلا أن يزوره ويقنعه بوجهة نظره ويشرح له الاعتبارات التي تجعله يربط موافقته على إجراء الانتخابات الرئاسية بتحقيق لائحة الشروط المعروفة، والتي يُخشى أن تزداد في كل جلسة حوار أو تفاوض بين الأكثرية والمعارضة.
بعد أحداث الصفرا المؤسفة في السابع من تموز 1980 بين نمور الأحرار والقوات اللبنانية، حصل تقارب سرعان ما تحوّل إلى صداقة متينة، بعد خصام عنيف استمر نحو ثلاثة أعوام، بين مدير المخابرات في الجيش اللبناني العقيد جوني عبدو وقائد القوات اللبنانية بشير الجميل. حينذاك سأل الثاني الأول عن حظوظه في الفوز في الانتخابات الرئاسية سنة 1982، فأجابه أنها لا تتعدى الواحد في المئة. فما كان من بشير الجميل إلا أن سأله: «برأيك ما العمل إذاً لرفع حظوظي إلى خمسة في المئة؟»، هذه تسمّى
سياسة.