وفاء عواد


•لا قرار في نشوب الحرب الأهليّة مجدّداً... وإشاعة أجوائها «مناورة»
يوم انطلق الحوار في ساحة النجمة، 2 آذار 2006، سجّل الرئيس حسين الحسيني موقفاً مغايراً لما كان سائداً حينها من مواقف، وعبّر عنه بعبارة واحدة: طاولة الحوار إعلان رسمي عن إلغاء مجلسَي النوّاب والوزراء. ومن حينه قرّر التزام الصمت، مؤقتاً، في حاضر «الصراع السياسي الخطير»

أمام سلفيّة مستقبليّة تدّعي قراءة الآتي بسهولة محوها للماضي، ينطلق الرئيس حسين الحسيني من المبدأ العام المرتبط بالحكمة من إنشاء مجلس النوّاب، وهو الذي ترأّسه ثمانية أعوام متتالية (1984ـــــ 1992)، ليؤكّد أن جوهر الديموقراطية هو «تنظيم الصراع على السلطة بالوسائل السلميّة، ونقل السلطة من يد إلى يد بالوسائل السلميّة أيضاً»... ومن أجل ذلك «كانت الحاجة ماسّة لنقل الحوار من الشارع، ومن حالة الاضطراب والتناحر والصراع على السلطة في الشارع، إلى مؤسّسة تجسّد الحوار على المستوى الوطني العام، أي المجلس النيابي».
ومن العموميات تعود به ذاكرته المثقلة بالتفاصيل إلى أيام الحرب الأهليّة حين كان مبنى مجلس النوّاب في ساحة النجمة هو «المستهدَف، لضرب الوحدة الوطنية، لأن منطقة الأسواق التجاريّة كانت المكان الدائم للقاء اللبنانيين، 24 على 24 ساعة، من كل المناطق والطوائف والمذاهب والأهواء». ولذلك، تمّ «تهجير» مجلس النوّاب إلى خط التماس (قصر منصور/ المتحف)، حيث كان انعقاده «رهن توافق الميليشيات المتصارعة على إفساح المجال أمامه، ومقروناً بالمخاطر على الأرواح». وفي تلك المرحلة، استمر المجلس بممارسة مهامه، باستثناء الرقابة على الحكومة.
ومع ذلك، «بقي المجلس يجسّد الشرعية، في ظل الانفصام بينه وبين السلطة التي كانت موزّعة كلياً على ما سُمّيَ آنذاك قوى الأمر الواقع، وكانت حكوماتها منقسمة منذ بدء الحرب، سواء حكومات ما بعد الـ75 مباشرة أو ما بعد الـ82. وعندما كان النوّاب يعجزون عن اللقاء في مبنى المجلس، كان التواصل يحصل بينهم حيث هم»... وكان هذا الواقع هو «المظهر الأول لضرب الحوار».
وبعد مضيّ ثلاثين عاماً على اندلاع الحرب الأهلية، ما الذي حصل؟ يرى الحسيني أنه «فور ولادة مجلس الـ2005، أصيب بضربة قويّة، هي فكرة طاولة الحوار التي ألغته، مثلما ألغت الحكومة أيضاً لأن مشاركة الرئيس فؤاد السنيورة بصفة تابع لكتلة المستقبل كانت أقوى من مشاركته بصفة رئيس للحكومة... وجاءت استقالة الوزراء نتيجة طبيعية لإلغاء المجلسين... فاكتملت الصورة». وبالتالي، فإنها «ألغت مؤسّسات دستورية، ولم تحلّ محلّها»، «كأنهم استعاروا فكرة تأليف مجلس الحكم الانتقالي»، السابقة التي حصلت في العراق فور سقوط نظام الرئيس صدّام حسين.
وبين الأمس واليوم، يشير الرئيس الحسيني إلى أن الخطاب السياسي الذي سبق انعقاد طاولة الحوار «كان له سمة وطنية، حيث كانت هناك حالة خفر من الاقتراب نحو الخطاب الطائفي والمذهبي»... ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الخطاب «سائداً ومعتمداً»، ولا سيما أن «غياب الحوار من ضمن المؤسّسات، بأصوله ونتائجه، ظهّر دور المرجعيات الدينية».
وفي إطار وضع النقاط على الحروف، يلخّص ما كان عليه مشهد المتحاورين بالقول: «كل واحد منهم جلس وراء الطاولة ليعزّز متراسه... وكانت النتائج موازية للأفكار التي كان من المفترض أن تتبلور بصفة مشاريع للإقرار».
ومسترجعاً خمس محطات أساسية من التاريخ القريب، خلال أعوام: 1976 (بعد سنتَي الحرب)، 1982 (بعد الاجتياح الإسرائيلي)، 1989 (بعد اتفاق الطائف)، 2000 (بعد التحرير)، و2005 (بعد انسحاب القوّات السوريّة)... فـ«قد كان علينا أن نلتقط أنفاسنا في مرحلة انتقالية ولم نفعل، بفعل الخوف أو بفعل الطمع»، يرى الحسيني أن الخروج من مأزق الأزمة السياسية الراهنة يتطلّب الحوار في مؤسّسة مجلس النوّاب حول المسائل الوطنية والحياتية، في مرحلة انتقالية لا بدّ منها، للانتقال من اللاشرعية إلى الشرعية. وذلك وفق خمسة عناوين أساسيّة:
1ـــــ إعادة تكوين السلطة، عبر سنّ قانون للانتخابات النيابية، يكفل مدى التمثيل الكافي وفاعلية الحكم في الوقت نفسه. والقانون الذي يعتمد النسبيّة «يمكّن الناس من الدخول إلى مؤسّسة الحوار»، وإلا فإن «قانون الـ2000 المفصّل على قياس تجمعات مذهبية يترك معظم الناس في الشارع».
2ـــــ نظام ممارسة السلطة، عبر إقرار قانون عمل السلطة الإجرائية، بما يؤمّن المشاركة الواضحة والمسؤولية الفعلية في الوقت نفسه.
3ـــــ تأمين الضمان القضائي، عبر إقرار قانون استقلال السلطة القضائية وفاعليتها في الوقت نفسه. علماً بأن هذا القانون موجود في أدراج المجلس النيابي منذ تموز 1997.
4ـــــ تأمين فرص العيش الكريم لكل لبناني بحسب عمله، برسم السياسات الاجتماعية الممكنة اقتصادياً والضرورية كيانياً.
5ـــــ حماية الوطن، شعباً ودولة، عبر سنّ قانون للأمن الوطني، والذي لا يلغي قدرة اللبنانيين على المقاومة، بل يزيد منها بتعميمها في إطار دولة واحدة ذات حكم مدني، القرار الواحد فيه للسلطة السياسية الشرعية والواجب فيه على كل لبناني أن يكون مقاوماً. وفي هذا العنوان، تجدر الإشارة إلى أن قانون دفاع الـ83 هو المعتمد حالياً.
وإذ يلفت إلى أنّ حرب الـ75 اندلعت تحت شعار «قبرصة لبنان»، لا يفوته التنبيه من أنّ «الجرح المفتوح يجتذب كل أنواع الميكروبات». ولذلك، فإن المطلوب هو «صيانة وضعنا الداخلي، لأن المنطقة كلها على فوهة بركان».
وبانتظار الآتي، يطمئن الحسيني إلى أن لا قرار في نشوب الحرب الأهليّة مجدّداً، واصفاً إشاعة أجوائها بـ«المناورة»، إذ «هناك إرادة لبنانية رافضة لعودة عقارب الساعة إلى الوراء»، لكن هذه الطمأنة لا تخفي قلقه من حالة الفراغ التي يعيشها لبنان، فـ«السلطات الضامنة غير موجودة، من القمّة إلى القاعدة، بإسهام الداخل والخارج: رئاسة الجمهورية مركز شاغر، مجلس النوّاب معطّل، الحكومة غير شرعية وغير فاعلة، المجلس الدستوري معلّق، والسلطة القضائية مهمّشة»، أما الجيش فما هو إلا «أداة تنفيذيّة لا سلطة دستورية».
وختاماً، كان لا بدّ من سؤال الرئيس عن سبب التزامه الصمت حيال مسائل، لها عنده الأجوبة الوافية استناداً إلى تجربته السياسية ودرايته بالنص وتاريخ النص، فكان جوابه غير قابل للجدل: «النصيحة أمام الملأ تقريع».




رئيس بين جمهوريتين

ما يميّز الرئيس الحسيني عن سواه من أسلافه أنه الوحيد الذي عبر رئيساً للمجلس بين جمهوريتين، ما قبل الطائف وما بعده. وقد يكون دون سواه، أيضاً، من كان عرّاباً رئيسياً في صنع جمهورية. فالجمهورية الأولى (1926) صنعها الانتداب الفرنسي، والجمهورية الثانية (1943) كانت في ظل الانتداب، وكانت تعديلات دستورها جزئية. أما دستور الجمهورية الثالثة فكان في واقع الأمر أول دستور للجمهورية المستقلّة، وإن بعد 46 عاماً.