النبطية ـ كارولين صباح


قد لا يتصور البعض، في أيامنا هذه، أنّ ارتياد المدرسة أو الجامعة هو من الأحلام النادرة التحقق، أو أنه ترف وامتياز لفئة دون أخرى، تفرضه ظروف اجتماعية معينة أو تقاليد بالية، لم تعد مقبولة اليوم

حاولت خلود وسعاد من عشيرة الكريدية المستقرة في حبوش ـــــ النبطية الغوص في التجربة المستقبلية كل على طريقتها، أو على قدر أحلامها. فالفتاتان عيّنتان متواضعتان من أحلام مكبوتة، أو شعار «ممنوع الأحلام».
تحمل خلود الأحمد إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية، وهي تتابع حالياً الدراسات العليا في العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة الإسلامية. لكن تجربة خلود في الوصول إلى الجامعة فريدة في «التجمع» حيث تقطن، إذ تتوقف الفتاة عن ارتياد المدرسة في سن مبكرة إما للزواج أو لمساعدة الأهل. فخلود هي الوحيدة التي أكملت دراستها الجامعية بين أحد عشر شقيقاً وشقيقة. تقول: «الشاطرة تثبت نفسها سواء في المدرسة أو الجامعة، لكن المحيط لا ينظر إلى تجربتي على أنها ناجحة لكوني لم أجد وظيفة حتى الآن، وربما أصبحت لديهم حجة تقول إنّ المتعلمة لا يمكن أن تجد عملاً، وبالتالي ليس ضرورياً أن نتعلم».
وتتمسك خلود بما وصلت إليه، ويمثّل لديها عامل اعتزاز: «العلم يسهم في تقوية الشخصية والمعرفة، فهو غذاء الروح. وبإمكان أي أحد أن يعمل، لكن الدراسة الأكاديمية هي الأساس حالياً وليس من السهل تحقيقها».
وتعلّق خلود على الصعوبات التي يعانيها التلامذة والطلاب في المدارس الرسمية والجامعات ويرونها الحجة الأساس لتركهم المدرسة. تقول: «هم يصنعون مشاكلهم، ويُعدّون الدراسة عبئاً، وهذا ليس صحيحاً، لأنّ من يرد شيئاً فعليه أن يعمل جاهداً للوصول إليه، وبالتأكيد سيندمون لاحقاً، وأنا أعرف بعضهم ممن يتحسرون على تركهم الدراسة باكراً».
أما سعاد الأحمد (23 عاماً) فهي النموذج الأكثر انتشاراً في العشيرة، وصلت إلى الصف الأول المتوسط فقط، بعدما خطبت لمدة شهر وخيّرها خطيبها السابق بينه وبين المدرسة، فاختارته غير أنّ اختيارها لم يكن موفقاً، كما تقول، فقد تركها العريس ولم تعد إلى الدراسة.
تتحدث سعاد عن تجربتها بشيء من الحزن فتقول: «ظروفي لم تكن مؤاتية لكي أكمل الدراسة، بعدما تركني خطيبي، مرض أبي واضطررت لأن أساعد أمي في الدكان الذي نملكه، وبذلك توقفت عن الدراسة. لكنني كنت أدرّس إخوتي الأصغر مني، وبتّ أجيد استخدام الحاسوب، إذ تعلمت وحدي لوجود حاسوب في المنزل، وما زلت أطالع باستمرار، كما أنني ملمة باللغتين الفرنسية والإنكليزية».
تعترف سعاد بأن بيئتها ضيعت الكثير من أحلامها، وكانت تفضل لو كانت متعلمة وموظفة، ووضعها الاجتماعي أفضل.
لم يعد الزواج ضرورياً وأساسياً في الحياة بقدر الدراسة والعمل، تضيف سعاد «رفضت عريساً ميسوراً يستطيع توفير حاجاتي المادية، لكنه ليس فتى أحلامي. المظاهر لا تغريني وهي تعكس نفسيات مريضة، والقناعة بالقليل أفضل من التلطّي خلف مظاهر كاذبة». أما عن متابعة دورة تدريب مهني مع عدد من رفيقاتها من التجمع اللواتي تركن الدراسة فتقول: «كل الصبايا من عمري تزوجن، ويتحملن مسؤولية بيت وأولاد، ولن يرضى أزواجهن بأن يتركن بيوتهن للذهاب إلى المدرسة، هذا الأمر غير مقبول في محيطنا رغم أنه أمر عادي في المجتمع».
في التجمع، بيوت من إسمنت تحيط بها زرائب من تنك، هي عامل أساس في معيشة أصحاب هذه البيوت. من بينها، تطل فتاة من هنا وأخرى من هناك، بعضهن رضين بما آلت إليه أوضاعهن، والبعض الآخر يلقين حسرة على أحلام مدفونة، بين الجدران والشرفات.