بيسان طي


لم تعد الشكوى من غلاء المعيشة مسألة تقضّ مضاجع الفقراء فقط. أولئك الذين حظوا بفرص عمل جيدة، وبرواتب تزيد على ألف دولار شهرياً تتراكم عليهم الديون أيضاً، وتزيد الأوضاع الأمنية الطين بلّة. هنا مشاهد من يوميات عائلة شابة من أبناء الطبقى المسماة «وسطى»

اليوم بدأ شهر جديد. تتأخر رنا في الوصول إلى مكتبها في الحمرا، تمر بفروع بنوك وشركات مختلفة لتدفع «الأقساط الشهرية».
اليوم يبدأ عند ناطور البناية، حيث شقتها في الحدث، تقدّم إليه المبلغ الشهري: 125 ألف ليرة مكافأته عن خدماته وأجرة المصعد ومصاريف لجنة البناية، وبدل اشتراك في المولد الكهربائي. ثم تذهب إلى البنك الأول لتدفع 500 دولار قسطاً شهرياً لمصرف الإسكان الذي استدانت منه ثمن بيتها يوم عقدت خطبتها قبل سبع سنوات على زوجها، ولن تنتهي الأقساط قبل أن يتخرج طفلاهما من الجامعة.
ومن البنك الأول في بدارو تذهب إلى شركة الكمبيوتر في سن الفيل، لتدفع أحد أقساط الـ «لاب توب» الجديد الذي أجبرها مديرها في العمل على شرائه «لزوم الشغل وروح العصر»، تضحك لتعليقات الموظفة المسؤولة عن صندوق الحسابات «مدام سنراك دائماً، عندما تنتهين من دفع الأقساط سيصبح حاسوبك قديماً وستضطرين، كما يفعل غيرك، إلى شراء حاسوب جديد... بالتقسيط طبعاً، كلنا في الهوا سوا»، تدلها الموظفة على محل لبيع الطناجر بالتقسيط، تبتسم فهي فعلاً في حاجة إلى أدوات منزلية جديدة، ولن تجد مهرباً من أن تشتريها بالتقسيط، لكنها تؤجل الأمر شهراً أو شهرين «لأن الميزانية الحالية لا تسمح بذلك».
لا تملك رنا الوقت الكافي للرد على كل تعليقات الموظفة، عليها أن «تطير» لتصل قبل العاشرة إلى الصنائع حيث ستدفع المبلغ المخصص لحماية الولدين من غدر الزمن، 50 دولاراً شهرياً في حساب التوفير الخاص بكل منهما «لو فكّر أهلي وأهل زوجي في هذا الحل، لو وفروا لنا مبلغاً بسيطاً لساعدنا ذلك على تأمين جزء من المدفوعات التي تتراكم فوق رؤوسنا»، ثم تتذكر أن تقفل هاتفها الخلوي ــــــ العامل بالوحدات لأن ذلك أرخص ــــــ فهي لن ترد اليوم على الاتصالات الواردة من مدرسة ابنها لدفع بدل مشاركته في حفلة تنكرية، وبما أن المشاركة إجبارية، وبما أنها ستكلّفها 30 ألف ليرة فإنها ستنتقم لحريتها بأن تقفل هاتفها اليوم، قبل أن تضطر غداً إلى الذهاب إلى المدرسة ودفع المبلغ المطلوب وشكر المديرة التي تفكر في النشاطات اللاصفية.
تنهي عملها، لكنها لا تعود فوراً إلى المنزل، تمر هذا الشهر بشركة التأمين، لتدفع أحد «الأقساط»، ثم تذهب إلى متجر لملابس الأطفال، سمعت عنه من زميلتها، تراكمت خسائر صاحبه فقرر أن يقفله ويبيع ما عنده «بسعر الجملة»، هذه العبارة سحرتها. قد تتمكن من تدليل الولدين «بمجموعة من السراويل والقمصان»، وكان لها بعض ما أرادت، لكل طفل سروال وقميصان «بحدود ما تسمح به الميزانية».

المشهد الثاني

بعد ظهر اليوم الأول من الشهر، تصرخ رنا في وجه ابنها البكر طالبة منه أن يصمت وأن يلتزم غرفته، لأن عليها أن تجلس مع والده «لإنهاء الحسابات».
تُخرج قلماً وورقة، في يوم واحد طار راتبها، ولم يبقَ إلاّ راتب زوجها، تنفّسا الصعداء فقد سدّدا جزءاً لا بأس به من المدفوعات، يبقى أن يستقطع الزوج 300 دولار من راتبه لضمّها إلى ما وفره في شهور سابقة لدفع القسط المدرسي للولد الكبير و150 دولاراً لمديرة الحضانة التي تستقبل الابن الأصغر، وسيدفع 100 ألف ليرة للميكانيكي الذي تولّى إصلاح السيارة، وسيعمل بنصيحة الزوجة ويستقطع 250 ألف ليرة ثمناً للبنزين الذي تحتاج إليه السيارة لشهر، ومئتي ألف للفواتير المتعددة «فاتورة شركة الكهرباء التي قلما نحظى بها، وفاتورة المياه الصالحة للشرب، وربما فاتورة جديدة من البلدية وثمن وحدات الاتصال في هاتفه وهاتف زوجته...»، وسيؤجل «مشروع شراء حذاء جديد له إلى الشهر المقبل»، فقد وضعت شقيقته مولوداً جديداً وستكون له هدية على ألّا يزيد سعرها على 50 دولاراً.
تجول رنا في مطبخها، تسجل على ورقة ما ينقص البيت، تنتهي سريعاً من المهمة الروتينية، ولا يبقى أمام الزوجين السعيدين إلّا حمل الولدين والذهاب في «نزهة» إلى السوبر ماركت لشراء حاجيات المنزل لهذا الشهر.
تحتفظ رنا بقلمها، تحنو عليه، تعرف أنه سيكون رفيقها في المهمات الصعبة في السوبر ماركت، بهذا القلم ستشطب الحاجيات التي ستستغني عنها بفعل ارتفاع سعرها، وبفضله ستدوّن جنب بعض الأغراض «كانت من الأولويات وصارت من الرفاهيات» لتقرر بعد مشاورات مع الزوج، وأخذ ورد مع الابن البكر، ما الذي ستشتريه من «الأغراض المصنّفة حديثاً رفاهيات».

المشهد الثالث

مساء اليوم الأول من الشهر في السوبر ماركت، يركض الولدان في الممرات، تجرجر رنا وزوجها أرجلهما، أضناهما التعب المتراكم منذ الصباح، لكن لا خيار آخر أمامهما، سيركضان وراء الولدين قبل أن يكسر الشقيان موادّ قد تكلّف العائلة «الحيلة والفتيلة».
وأمام كل جناح، تتوقّف رنا مندهشة، فاغرة فاها، تفتح عينيها كبيرتين، تحدق إلى الأسعار المكتوبة على المواد، تأخذ نفَساً عميقاً «هذا زاد سعره بنسبة 10 في المئة، وذاك بنسبة 20 في المئة، والثالث تضاعف سعره... أمّا الحليب، فمصيبة كبرى، وهل يمكن أن نستغني عن الحليب؟ مستحيل مهما ارتفع ثمنه».
يبكي الابن الأكبر لأنه يريد الشوكولاتة التي يحملها زميله إلى المدرسة، تقنعه بنوع آخر أرخص، تغريه بحكايات عن «سوبرمان الذي يأكل الشوكولاتة اللبنانية فيصبح قوياً»، يرمقها بنظرة احتجاج، تشعر به كأنه يقول لها «لا أصدق هذه الخزعبلات»، لكن الطفل اعتاد تبريرات أمه وصار يشعر بأن عليه أن يلتزم ما تقرّره له من مشتريات، يركض حتى جناح اللُّعَب ويتوقف أمامه ويروح يغازلها بنظراته، وينقّل عينيه بينها وبين أبيه.
تغضب منه، يؤلمها «هذا الابتزاز العاطفي» المتكرر، هذه المرة لن تضعف، ولن تسمح لزوجها بأن يضعف، لن تستغني عن الحاجيات الأساسية لشراء لعبة، تتقدم نحوه مسرعة، بخطى تشبه خطوات العسكر، ترفعه بعنف عن الأرض، تحمله لتستدير به نحو باب الخروج، ترفع وجهه نحوها لتقول له إن «الابتزاز ممنوع». تأخذ نفَساً، تفتح عينيها فتلمح توسّلاً في عينيه، تخور قواها، تسقط مقاومتها، تستدير معه إلى جناح اللُّعَب «طيب نشتري لعبة رخيصة جداً، ولن آتي بك إلى السوبر ماركت قبل أن يحصل والدك على زيادة على راتبه، مديري يشكو قلة العقود ولن يزيد راتبي، آمل ألّا يفكر في صرف بعض الموظفين».
أخيراً، وصلت العائلة إلى صندوق الحساب في السوبر ماركت، رنا وزوجها مستعدان لكل المفاجآت، بعدما تخلّصا من بعض الضروريات، جاءت الفاتورة هذا الشهر أغلى مما كانت عليه الشهر الماضي بمئة ألف ليرة، رغم أن عدد المشتريات تقلّص.

المشهد الأخير

العائلة السعيدة في السيارة، الأب يعد الابن البكر بنزهة صغيرة عند الشاطئ، فجأةً يدوّي صوت قوي، تصرخ رنا، تسحب الولدين، تحضنهما وتصرخ بزوجها «طير فينا عالبيت»، يقهقه ضاحكاً «هذا ليس انفجاراً، بل عمال سوكلين أوقعوا مستوعب النفايات أرضاً»، تغرق في مقعدها، وتسترجع قلقها الذي نسيته اليوم وأحاديث والدتها، تتذكر أنها منذ شهور تسهو عن واجبات العمل أحياناً لتحدّق إلى الساعة، تنتظر أن يحل موعد الانصراف لتسرع نحو مدرسة الابن الأكبر ثم حضانة ابنها الثاني، وأنها كلما وصلت إلى البيت حضنتهما بقوة، تتذكر جملتها اليومية. «خي انقضى هاليوم على خير»، تذكر أنها مع كل انفجار أو حدث أمني «تفقد أعصابها»، وأن هاتف زوجها «لا يعلّق» وأنها تستنجد بكل الأولياء والقديسين ليعود إليها سالماً، وأنها تمضي ساعات قبل أن تطمئن إليه، وأنها تلعن هذا البلد وسياسييه، وشعبه العنيد، والطائفية وإسرائيل.
تتذكر أنها باتت تلجأ ــــــ في الخفاء عن زوجها ــــــ إلى الحبوب المهدئة، وأنها لم تعد تُخرج الولدين في زيارات إلّا إلى بيوت الأصدقاء القريبة أو جدتيهما.
تكاد تغفو وهي تستعيد قلقها... فجأةً تصحو على صوت زوجها «حبيبتي، ما بقي معنا لا يكفي لنكمل مصاريف هذا الشهر... إذا ضلينا بخير سنستدين من الـ credit card».




«اللبناني إلو الله»

هل يمكن فصل السياسي عن الاقتصادي، والاقتصادي عن الاجتماعي؟ وما إلى ذلك؟ إنها حالة متكاملة.
يلفت الدكتور حنا الحاج (أستاذ في كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية) إلى أننا نعيش في غياب للسلطة الفاعلة وللمؤسسات «إذاً نحن في مرحلة بدائية من الاجتماع السياسي، مرحلة لا تشبه الدولة ولا التجمع القبلي، بل هي في منزلة بين المنزلتين... اللبناني إلو الله».
يتحدث الحاج بحالة القلق على المستقبل والغضب من تدهور الوضع الاقتصادي، وهي حالة يعانيها معظم اللبنانيين، يُذكّر بالألم الذي يحسّه من يعجز عن تأمين حاجيات ولده.
يكرّر بأن «الطبقى الوسطى لم تعد موجودة في لبنان»، بل صارت عندنا طبقة فقيرة كبيرة «محتاجة، لكن تتفاوت نسب الفقر والحاجة، هناك من يعيش في فقر مدقع فلا يستطيع أن يؤمّن كل ما يحتاج إليه من أساسيات للمأكل والمشرب، وهناك الفقراء الذين يتمكّنون من أن يؤمنوا بعضاً من حاجياتهم».
يذكّر الحاج بأن دراسات عديدة بينت بأن 8000 لبناني فقط يرتادون المطاعم، الآخرون أو الأقلّ فقراً يذهبون إليها في المناسبات السعيدة. ويتخوّف من حالة الفقر والقلق المسيطرين على اللبنانيين، مؤكداً أن ذلك سيؤدي حتماً إلى حال من الفوضى العارمة، ويلفت إلى أن خطب السياسيين لا تشفي جوع الفقراء، لكنه يقرّ من ناحية ثانية بأن الوضع الأمني المتردّي يؤخر ردّ الفعل، بل «يلجم أي خطوة يقوم بها اللبنانيون للمطالبة بحقوقهم». ويضيف «لو كانت الأوضاع الأمنية طبيعية لعمّت التظاهرات البلاد» للمطالبة بتصحيح الوضع الاقتصادي.