strong>ليال حداد


قدّمت الطالبة في معهد العلوم السمعية والبصرية في جامعة القديس يوسف لين قديح مشهدها الصامت «كوما»، على خشبة المعهد. المشهد مشروع لمادة «التمثيل الصامت»، في ماستر الإخراج الذي تدرسه قديح بعدما نالت الإجازة في الأدب الفرنسي من اليسوعية والإخراج من معهد الفنون الجميلة ـــ الفرع الأول في الجامعة اللبنانية

تطرح الطالبة لين قديح في مشهدها الصامت «كوما» أسئلة عدة من دون أن تسعى إلى إيجاد إجابات شافية لها. هل يتحكّم الإنسان بجسده؟ ما هي علاقة الإنسان بنفسه والعالم الخارجي؟ أسئلة يمثّلها بشارة عطا الله في أداء (performance) لا تتجاوز مدّته عشر دقائق. يتنقّل عطا الله في المشهد بين حالات نفسية عدّة فيحارب تارة أفكاره، وأحياناً يتصارع مع العالم الخارجي في تمثيل صامت «فالمشهد الصامت قد يقول أحياناً أكثر مما يفعل مشهد حواري طويل»، تقول قديح.
يدور المشهد حول نظرة شخص في حالة غيبوبة إلى نفسه والعالم، بعيداً عن المشاهد التقليدية «فتقليدياً عندما يكون الإنسان في غيبوبة، يصورونه كأنه يرى نفقاً طويلاً وضوءاً في نهايته. أنا حاولت الابتعاد عن ذلك، وأظهرتُ كيف يعجز الإنسان أحياناً عن التواصل حتى مع نفسه». أما الموسيقى التي ترافق المشاهد وتحركات الممثّل فتختلف من حالة إلى أخرى.
وقد انطلقت قديح في مشروعها من أفكار رافقتها منذ طفولتها، ففي صغرها كانت قديح تظن أن أطرافها «تنمّل» لأنّ هناك كائنات صغيرة جداً تمشي في هذه الأطراف. وقد جسّدت هذه الفكرة في مشهدها عبر إظهار كائنات صغيرة ونمل، تحيط بالممثّل في إحدى حالاته. إضافة إلى الطفولة، وضعت قديح في مشهدها أحاسيسها اليومية. ففي أحيانٍ كثيرة «أشعر أنني في غيبوبة متواصلة».
تشرح قديح مشروعها، مؤكدة أنها لا تتبع طريقة تقليدية في العمل، بل «بوست مودرن»، بعيداً عن النصوص المسرحية المعتمدة في المسرح الكلاسيكي.
أما الهدف الأساسي من المشهد فليس إعطاء إجابات واضحة، بل طرح أسئلة تراود كل إنسان من دون الإشارة إلى ما إذا كانت تصرفات وخيارات الممثل صحيحة أو خاطئة.
لا يبتعد مشروع قديح الصامت عن الوضع السياسي. فالمواطن في لبنان بنظرها لا يملك قدرة على التغيير، كل الظروف تتحكّم فيه وتدور حوله وهو مشاهد عاجز فقط «هذا ما أردت إيصاله، فأقبح شعور هو العجز». تواصل قديح الحديث عن بعض المشاهد، شارحة انطباعها الخاص ولا سيّما مشهد يبدو فيه خيال كبير، يتحطّم خلف الممثل «قد يكون المشهد مرتبطاً بعدوان تمّوز، فعندما كانت الاتصالات مقطوعة والمناطق منفصلة عن بعضها «كنّا بنوع من الكوما».
وفي الإطار نفسه، عملت قديح على مشهد مسرحي آخر مقتبس من العدوان بعنوان «رأساً على عقب upside down»، تشرح فيه الطريقة التي تنقلب فيها حياة الإنسان «وتتشقلب» في الحروب «كأن أحداً أمسك عالمك وقلبه. هذه كانت فكرتي».
تعلن قديح دون خجل عن اشمئزازها من الوضع الحالي، وعن أفكار تخطر لها لتوعية الناس بشأن ما يدور حولهم «الصورة لم يعد لها دور. فالإنسان يمرّ على خبر أو مشهد عن مقتل خمسين عراقياً ولا يتوقّف عنده، هذا الوضع كارثي». أما خطة المخرجة لتحريك مشاعر العالم مجدداً فهي كتابة نصٍّ مشابه لما كتبه الفرنسي جان جينيه في «أربع ساعات في شاتيلا» وكتاب «القاتل إن حكى» لنصري الصايغ و«سأذيعها بين العالم على صوت مرتفع علّهم يستفيقون»
أكاديمياً. نالت قديح علامة مرتفعة على مشروعها رغم الصعوبات التي واجهتها «فأنا الطالبة الوحيدة التي أدرس الماستر التطبيقي لا النظري وهذا صعب، ففي المجموعة يكون العمل أسهل».
وكان المشهد قد عرض في مسرح المعهد وحضره عدد من المشاهدين. وحاولت قديح معرفة تأثير المشهد والموسيقى والحالات النفسية على المشاهدين «كان المشهد اختباراً تجريبياً لتفاعل الجمهور».
وتطمح قديح إلى أن تعرض مشهدها في أحد المهرجانات أو على المسرح، ولكن شرط إيجاد مموّل «فهنا في الجامعة ساعدوني كثيراً، وقدموا لي المسرح لعرض المشهد، أما في الخارج فأحتاج إلى مموّل».