بعلبك ــ عُبادة كسر


مثّل خبر رحيل المناضل جورج حبش صدمة لرفاقه البعلبكيّين الذين شاركوه النضال منذ تأسيس حركة القوميين العرب، وكذلك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحتى انتهاء مزاولته العمل السياسي.
يتذكر البعلبكيون، وبمفاخرة، أيام النضال، واللقاءات والجلسات التنظيمية السرية والعلنية معه. وقد حالف الحظ بعضاً منهم المشاركة في خطة إنقاذه من المعتقل السوري، والتسلل به إلى مدينة الشمس عبر الممرات الجبلية، وذلك بعدما ثار الرجل على حال انفصال الوحدة بين سوريا ومصر في الستينات، ورفض ممارسات «الانفصاليين»، وحضّ على التمسك بالوحدة العربية، استقروا به في منزل الرفيق «ناجي» الاسم الحركي لأحد المنفذين. ويروي الأخير: «لقد أنارت ثورته وزيارته مدينة الشمس، شعلة بعثت فيها الحمية والعزيمة لحماية الجبل الثائر»، نفّذ أطفال الحي حواجز على مفارق الحارات، حرصاً على أمنه وسلامته.
بعد دخول القوات السورية لبنان وملاحقة العديد من المناضلين، عاش «أبو ثائر»، عضو اللجنة المركزية لحزب العمل العربي الاشتراكي، حياة مليئة بالمخاطر، وظل يقظاً من أن تداهم المكان دوريات القوات السورية وتلقي القبض عليه، أطلق على نفسه اسم تلميذ الحكيم حبش. ويقول: «كنت أقصده في مكتبه في محلة الفاكهاني، وقد اصطحبت منه رسالة توصية الى أحد أطباء الجامعة الأميركية. تسلّم الطبيب الرسالة وقبّلها ووضعها على رأسه واعتبرها وساماً سيضعه على صدره ما دام حيّاً».
خافت النسوة على أبنائهن، فمنهن من أخفين رسائل الحكيم الخطية، ومجلات «الهدف» و«الحرية» و«طريق الثورة»، ثمّ رماها أبناؤهن وبناتهن لدى وصول القوات المداهمة في التنور، ومنهن من أحرقنها أو وضعنها خلف صورة معلّقة على الحائط.
سيّرت دوريات القوات السورية لملاحقة المناضلين، احتضنتهم مطارحهم وتوزّعت الأدوار، أقام الأطفال حواجز طيّارة متنقّلة على مفارق الحارات، وكانوا عندما يشعرون باقتراب «البنهر» يصدرون أصواتاً كأنهم يتسامرون ويتمازحون، حتى تشعر النسوة بالأمر فينقلن الأخبار الى المناضلين، لينتقل الركب إلى مكان آخر.
يومداك أطلقت على أحياء المدينة ألقاب شبّهت فيها بأماكن الثورات العالمية كحي «كريتر» و«الوحدات» حيث كانت تحصل لقاءات المناضلين مع الدكتور وديع حداد المخطط للعمليات العسكرية ورفيق نضال حبش.
كوزو أوكوموتو بطل عملية تفجير مطار اللد وبعض من رفاقه في الجيش الأحمر الياباني قطنوا الحي نفسه لفترة قبل أن ينطلقوا لتنفيذ عملية خطّط لها حداد.
«دنيا» إحدى المناضلات التي تبرعت لخدمة نهج حبش كانت تواظب على مراقبة الجوار عندما كان يعقد المناضلون اجتماعاتهم، تتذكر الراحل بحسرة وتستذكر أناشيد كانت تردّدها «يا دكتور بأعلى صوت نادِ رجالك أسّسوا للمجد نادي ولما بصوتك منادي بأرض فلسطين دقينا الطناب».
يرى البعض أن رحيل «غيفارا العرب» جسّد حقبة تاريخية من نضال صرف، له نكهة خاصة غير مزيفة، ومثّل القضية الفلسطينية بنقائها قبل أن تدخل في دائرة المساومات والمفاوضات.