strong>كارولين صباح


1100 سيدة يشكلن جزءاً من الحياة الثقافية للمدينة

قلّما تخلو بلدة جنوبية من روسية متزوجة من أحد الطلاب اللبنانيين الذين توجهوا للدراسة في موطنها. وفي مدينة النبطية يصل عدد الروسيات المتزوجات من لبنانيين إلى 1100 امرأة اندمجن في المجتمع الجنوبي بشكل لافت وعلى أكثر من مستوى: عملي، اجتماعي، ثقافي وفني


تراهنّ في المستشفيات، المستوصفات، يدرّسن الموسيقى والسباحة... ويشاركن في دورات محو الأمية لتعلّم اللغة العربية. إنهن مجموعة من سيدات روسيات يقمن في مدينة النبطية الجنوبية منذ سنين، وقد انخرطن في يومياتها وبتن يشكلن جزءاً رئيسياً من حياتها الثقافية على وجه الخصوص.
وتأتي تجربة «روسيات النبطية» لتثبت تمسك السيدات الروسيات بالعيش في لبنان، وفي الجنوب تحديداً، لأسباب متعددة قد يكون أبرزها التعلق الوثيق بالروابط الأسرية بصرف النظر عن الاختلاف الكبير بين المجتمعين اللبناني والروسي. وقد برز هذا الأمر جلياً بعد عدوان تموز 2006، إذ قرّرت غالبية الروسيات المقيمات في مدينة النبطية العودة إليها فوراً بعد انتهاء العدوان، كما عدن إلى ممارسة نشاطاتهن السابقة، رغم أنّ الظروف المعيشية في روسيا بدأت بالتحسن في الفترة الأخيرة.
يصل عدد الروسيات المقيمات في النبطية إلى نحو 1100، تزوجن من لبنانيين أثناء فترة الدراسة، وانتقلن للحياة في لبنان، وهن يعملن في مختلف المجالات. تجدهن في مختلف مستشفيات ومستوصفات المدينة والبلدات المجاورة، وبعضهن يمارس الهندسة، تعليم الموسيقى، السباحة والرسم ورقص الباليه؛ كما أنهنّ يتعلمن اللغة العربية، قراءة وكتابة، من خلال متابعة دورات محو أمية.
ليليا ضيا، أوكسانا سرحان وجانا كحيل، عينة من الروسيات اللواتي يعشن في هذه المدينة؛ تحدثن عن سبب اختيارهن الزواج من لبناني، وحياتهن اليومية بحلوها ومرّها، والخطط المستقبلية التي ينوين القيام بها.

البيت الثقافي

تدير ليليا ضيا البيت الثقافي الروسي في النبطية، وهي متزوجة من أسعد ضيا (رئيس اتحاد رجال الأعمال الروسي اللبناني) من بلدة كفرصير الجنوبية منذ نحو 20 سنة ولديهما ولدان، دينا (15 سنة) ووائل (8 سنوات). يصعب في بداية الحديث معها معرفة أنها أجنبية، إذ تبدو لبنانية أباً عن جد، وهي مطلعة على تفاصيل السياسة اللبنانية وتناقش الأوضاع الاقتصادية والسياسية في لبنان.
تقول ليليا: «أنا متزوجة منذ عام 1989. كان أسعد زميلي في الجامعة وكنا ندرس الهندسة الزراعية. أحببته ولم أتردد في الزواج من لبناني، وخصوصاً أن أهلي أعجبوا به عندما قدّمته لهم». تضيف: «الشاب اللبناني بيتوتي، مهذب ويحب الحياة العائلية، وهي صفات غير موجودة في الشاب الروسي بشكل عام، وهذا ما يلفت نظرنا في اللبناني، ويشدّنا إليهليليا موجودة في لبنان منذ عام 1998، وهي تتقن العربية كتابة ونطقاً، بعدما خضعت لدورة محو أمية، وباتت «الصبحية» وشرب القهوة مع أهل زوجها وجيرانها من يومياتها.
«الجميع يحبونني ويتقبلونني، مع أنني الوحيدة التي لا تضع حجاباً، لكن هذا الأمر لم يشكل حاجزاً بيننا». تؤكد ليليا التي عاشت تسع سنوات في بلدة كفرصير مع أهل زوجها أنها لم تعترض يوماً على السكن معهم «حتى عندما كان عدد الزوار يصل إلى نحو 30 شخصاً خلال عطلة نهاية الأسبوع؛ المشكلة الوحيدة التي واجهتني هي عدم وجود كتب أو مجلات باللغة الروسية، ولا حتى فضائيات، أما حالياً فالوضع مختلف تماماً بعد افتتاح المركز في النبطية، ولدينا اليوم عدد لا بأس به من المجلات والصحف والكتب».
لم تغادر ليليا النبطية في عدوان تموز، وساعدت زوجها في استقبال الصحافيين الروس الذين زاروا الجنوب خلال العدوان. هي «ست بيت» كما تقول، تعلمت الطبخ اللبناني، وباتت تساعد حماتها في تحضير «الغمّة»، ولا تنسى تحضير المونة السنوية (كبيس، مربى، زعتر) وتحب التبولة والكبة النيّة كثيراً.

القهوة الصباحية

أما أوكسانا سرحان، فهي أوكرانية تعيش في لبنان منذ عام 1993. درست هندسة الاتصالات وتعرفت على زوجها أثناء الدراسة وتزوجا نهاية السنة الدراسية الأخيرة، ولها منه ولدان علي (6 سنوات) ورامي (4 سنوات). تتحدث عن الفترة الأولى التي عاشتها في بلدة كفرتبنيت، المواجهة لمواقع الاحتلال آنذاك: «لم يكن الوضع مخيفاً بالنسبة لي مع أن البلدة كانت تتعرض يومياً للقصف ولرصاص القنص المباشر، لكنني اعتدت الأمر. ورغم أننا كنا نقضي معظم الوقت في الملجأ، ولم أكن قد رزقت بولديّ، لكنني لم أفكر ولو للحظة بترك زوجي والعودة إلى أوكرانيا». وتضيف: «حتى أن الوضع الأمني لم يمنع عائلتي من الاستمرار في زيارتي، علماً بأن شقيقتي كادت تتعرض لإصابة عام 1999 بعد أن استهدف رصاص القنص سيارتنا وأصابها بأضرار». وعن تأقلمها مع الحياة في الجنوب وفي قرية صغيرة تقول أوكسانا: «أهم ما في الموضوع، التفاهم مع أهل الزوج، هذا يسهل كلّ الأمور الأخرى؛ بالنسبة لي بات شرب فنجان القهوة صباحاً مع حماتي قبل الخروج إلى العمل من العادات المحببة لديّ».
تعمل أوكسانا مندوبة لبيع أدوية في النبطية، وتوجهها إلى العمل في مجال بعيد عن اختصاصها يعود بحسب قولها إلى «ضيق سوق العمل في مجال هندسة الاتصالات، وكثرة المتخرجين، فمعظم الشباب يسافرون للعمل في الخارج، وقد وجدت وظيفتي الحالية مريحة أكثر، وخصوصاً لجهة وجود عائلة وأطفال». إلا أنها تشكو افتقار الجنوب إلى العديد من وسائل التسلية «لا حدائق عامة ولا سينما ولا حدائق حيوانات، والمسبح الشتوي الوحيد أقفل هذا الموسم. في أوقات الفراغ لا نجد ما نفعله غير الزيارات، حتى بالنسبة لأولادنا فلا متنفس لهم إلا بعض الملاعب الرياضية التي فتحت أخيراً، بيد أنها ليست كافية».

حجاب بعد اقتناع

الدكتورة جانا كحيل، «الملتزمة» باللباس الشرعي والحجاب، تشكل نموذجاً لا يمكن تعميمه كثيراً بين مواطنيها. جانا من روسيا البيضاء، وهي متزوجة منذ 11 عاماً من الطبيب أحمد كحيلولديهما ولدان محمود (10 سنوات) وآدم (3 أعوام). تعيش في النبطية منذ عام 2000 وتعمل في عدد من مستوصفات المدينة والبلدات المجاورة. عن ارتدائها الحجاب تقول: «منذ بداية علاقتي بزوجي، أخبرني عن ضرورة وضعي للحجاب عند عودتنا إلى لبنان، شارحاً لي عن الدين الإسلامي، وقد قرأت القرآن وكتاباً عن حياة النبي محمد والتعاليم الدينية قبل وضعي للحجاب، واقتنعت بالفكرة». وتضيف: «لم أشعر لحظة بأن الحجاب سيقيّدني أو سيحدّ من حريتي، مع أن الفكرة السائدة لدينا في روسيا أن الرجل المسلم يضرب زوجته ويمنعها من العمل ومن الخروج من المنزل. هذه الفكرة أخافت أهلي في البداية، ولكن الأمر مختلف بالتأكيد. وقد أعطاني الحجاب الأمان في تحركي خارج المنزل». وتتابع: «كلّ هذه الأمور هي تفاصيل في الحياة الزوجية، وبما أنني أحببت زوجي من البداية، كان عليّ أن أمتثل لرغبته، بعدما اقتنعت بالأمر». تضحك جانا عندما تتذكر ردة فعل الموظفين في مطار موسكو عند رؤيتها بالحجاب في أول زيارة لها إلى روسيا «سُئلت إذا كان الحجاب الذي أضعه هو قبعة على الموضة في لبنان، لأنهم يعتقدون أن الحجاب هو ما تلبسه النساء في أفغانستان فقط».
تؤكد أن «السنة الأولى هي الأصعب على مختلف المستويات، من حيث إيجاد أصحاب والتعوّد على المدينة والتأقلم مع العادات الجديدة، وتعلم اللغة العربية، ولكني مع الوقت لم أعد أشعر بالغربة، وخصوصاً أن عملي وعائلتي يأخذان وقتي كله». وعن الأعياد تقول جانا: «أزين شجرة الميلاد في البيت، وأشتري الهدايا للأولاد وأخبرهم أنها من «بابا نويل»، مع أن زوجي لا يحبذ الفكرة كثيراً، ولكنني أراه عيداً مميزاً ومن حق الأطفال المسلمين أن يحتفلوا به كالأطفال المسيحيين».
تعلمت جانا الطبخ اللبناني، ولكنها حزينة لأن زوجها لم يعد يطلب الأكل الروسي مع أنه كان يحبه في السابق. وبعيداً عن مشكلة الطبخ، لا تجد ما يعكر صفو حياتها في لبنان ولا تفكر أبداً في العودة إلى بلدها الأم، حتى في حال حصول حرب لأنها طبيبة و«على الطبيب مساعدة الناس في أوقات الحروب».




احتفالات وأعياد

تحتفل الروسيات المقيمات في النبطية بالأعياد التقليدية الروسية بشكل منتظم، وأهمها عيد «ماسلدنيدسا»، وهو احتفال ينظم قبل الصيام، حيث تصنعن عجينة بالزبدة، رقيقة قليلاً، ويستعملنها مكان الخبز ليأكلن الأطعمة التي سينقطعن عنها خلال فترة الصيام. وللنساء في روسيا عيدهن الخاص في 8 آذار، إذ يتوقفن عن العمل في هذا اليوم وحدهن، فيما يستمر الرجال بالعمل بشكل عادي.
ويشير رئيس اتحاد رجال الأعمال الروسي اللبناني أسعد ضيا إلى أن الاتحاد «يقوم بالعديد من الأعمال الثقافية في الجنوب اللبناني، منها توأمة مدينة النبطية مع مدينة تشيخوف الروسية، ومدينة صور مع مدينة سمارة؛ وقد استحصل الاتحاد على مشروع من وزارتي المال والثقافة الروسية لتنمية مناطق جنوب لبنان عبر مناطق جنوب روسيا، وقد أقيم من خلال هذا المشروع مؤتمر اقتصادي في النبطية منذ سنتين. تم بعده افتتاح «البيت الثقافي الروسي»، وأعقب ذلك إقامة العديد من الأنشطة الثقافية في مدينة النبطية، من عروض باليه وعزف بيانو ومعارض أشغال يدوية ومنتجات روسية».
ويعدّ المركز الثقافي الروسي من أهم إنجازات الاتحاد، فقد افتتح في تشرين الثاني 2004، وهو المركز الوحيد خارج العاصمة بيروت، ويضم عدة أقسام: تعليم اللغة الروسية، المسرح، الرسم والأشغال اليدوية، تعليم الموسيقى والرقص (الباليه).