طرابلس ــ ديما الشريف


من يقرّر أن يغامر بدراسة العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية وتحديداً في الفرع الثالث، في طرابلس، يُقدم على مخاطرة العبث بأمنه الوظيفي المستقبلي. فكلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية تقع وسط مجمع يضم كلية الآداب والعلوم الإنسانية ومعهد العلوم الاجتماعية في محلة القبة في طرابلس، فيما يتشارك المجمع مع ثكنة قوى الأمن الداخلي وسجن الرجال، بحائط وسياج.
وباتت مباني فروع الجامعة اللبنانية في الشمال، بفعل الحرمان والإهمال المستمر، آيلة للسقوط وغير صالحة للتعليم، لكونها في الأصل اصطبلات وثكنات للجيش تعود إلى أيام الانتداب الفرنسي. أما مبنى كلية الحقوق والعلوم السياسية فلا يملك صفوفاً تكفي للسنوات الأربع في الاختصاصيْن، وقد «استعيرت» غرفة إضافية من مبنى الآداب والعلوم الاجتماعية لطلاب السنة الثانية «سياسة». والنصيحة التي يقدمها الطلاب أن لا تتوقف بالقرب من صف السنة الأولى علوم سياسية لكونك ستصاب بتسمم من رائحة الحمام الوحيد الذي يقع على بعد أمتار عدة من الصف.
وتشهد صفوف المبنى حراً قاتلاً في الصيف وبرداً قارساً في الشتاء، لكن بما أن عدد طلاب اختصاص العلوم السياسية أقل، فهم يعانون إهمال إدارة الكلية ومجلس طلاب الفرع على السواء. القادم للمرة الأولى إلى الكلية سيعاني كثيراً قبل أن يجد صف السنة الرابعة «سياسة»، إذ يجب عليه أن يأخذ منعطفاً ويمر بمكاتب إدارية عدة قبل الوصول إليه. ويشهد الصف أدنى معدل حرارة في المبنى كله، لدرجة أنّ الطلاب سمّوه الصف المتجمد الشمالي. ومنذ سنوات قليلة، ضغط الطلاب باتجاه المجلس الطلابي لشراء مدفأة كهربائية من النوع الصغير، لكنّ الإدارة صادرتها بعض أقل من أسبوع على تشغيلها بحجة أن «مصروفها» كبير وتؤدي إلى إيقاف عمل المولد الكهربائي.
هذا من ناحية الشكل، أما من حيث المضمون، فلم تعد هذه الكلية «العريقة» تستقطب خمسمئة طالب في السنة الأولى كما في السابق، ففي السنوات العشر الماضية، تجد عدد المتسجلين يقارب المئة والخمسين، يتابع حوالى الـ30% الدراسة، فيما يتوزع الباقون بين متهرب من خدمة العلم (قبل إلغائها) ومن يتابع دراسته في كليات تطبيقية ويرغب بزيادة ثقافته، ومن يتسجل للاستفادة من الضمان الاجتماعي أو غيره.
ويتنوع الأساتذة في القسم بين متخرجي العلوم السياسية والحقوقيين الذين يدرّسون المواد القانونية لطلاب «السياسة». وهم يشكون اليوم تدخل العميد ومدير الكلية في تفضيل أساتذة على غيرهم، ما يؤدي إلى التضييق على بعضهم. أما على مستوى التدريس، فيغيب توصيف المواد ومتابعة مجلس الكلية لمضمونها، حتى وصل الأمر إلى تدريس ما ليس له علاقة باسم المادة، كأن يقوم أستاذ بتدريس موضوع أطروحة الدكتوراة الخاصة به عوضاً عما هو مقرر. وقد أثر هذا الواقع على الطلاب الذين نقلوا دراستهم من الفرع الثالث إلى الأول والثاني، فلم يستطيعوا أن يتأقلموا بسرعة، بسبب نقص المعلومات لديهم في بعض المواد، ما تطلّب دراسة مكثفة للحاق بالطلاب في الصف وتعويض ما ينقصهم.
من جهتهم، يرى بعض الأساتذة أن جو التضامن بينهم ووجود إدارة جيدة للكلية يمكن أن يساعد على تأسيس مراقبة ذاتية تجعل الأستاذ يلتزم القوانين والإجراءات المتبعة، خوفاً من أية محاكمة معنوية من الأساتذة أو القطاعات الحزبية أو المجالس الطلابية التي اختفى دورها تقريباً.
هذا هو وضع قسم العلوم السياسية ـــــ الفرع الثالث في الجامعة اللبنانية، الذي يؤكد بعض الأساتذة أنه لن يستمر في مهمته الأكاديمية، في ظل تقاعد العديد منهم ممن تركوا بصماتهم، وزيادة الأساتذة المحسوبين على القوى السياسية والمدعومين من العميد أو مدير الفرع، والذين لا يتمتعون بخبرة أو يرغبون بالعمل على تحسين الفرع.
يقود هذا الواقع إلى تراجع في المستوى التعليمي للفرع، ما ينعكس بطريقة سيئة على الطلاب الذين يقل عدد الجديين منهم سنوياً، ويضطر من لا تسمح له إمكاناته بالانتقال إلى فروع أخرى لتحمل مزاجية الأساتذة، وأوضاع الصفوف السيئة، لمدة أربع سنوات، كي يتخرج بشهادة تُعَدّ الأسمى في كل دول العالم. فهل يتواصل الإهمال المتعمد بحق كل من يحاول على طريقته النهوض بأشلاء هذا البلد؟