نقولا ناصيف


لم يسبق للبنانيين أن شهدوا حكم جنرالات من غير أن يحكموا، وحتى قبل أن يحكموا. على مرّ العهود المتعاقبة، كان ثمة جنرال واحد في لبنان، إلى أن أمسكت دمشق بالأخير، فجعلت منه ـــــ على غرارها ـــــ نظام جنرالات في الحكم وخارجه.
في عهدي الرئيسين بشارة الخوري وكميل شمعون، لم يُسمع إلا بجنرال واحد، هو قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب. وفي عهد شهاب، كان هو الجنرال الوحيد من دون أن يستمر قائداً للجيش، وكان يحلو له أن يناديه معاونوه «جنرال» لا «فخامة الرئيس». أما قائد الجيش اللواء عادل شهاب فاكتفى بدور الظلّ. وفي عهد الرئيس شارل حلو، ظلّ شهاب الجنرال الزاهد، إلى أن انفصل الرئيس عن الشهابية، فأضحى وجهاً لوجه أمام قائد الجيش العماد إميل بستاني، الجنرال المهيب الطامح إلى الحكم. ظلت الرئاسة حتى ذلك الحين لا تعرف إلا جنرالاً واحداً. أطاحت الطموحات الرئاسية بستاني بإقالته. في عهد الرئيس سليمان فرنجيه حجب السياسيون، ثم الحرب، الجنرالات عن الواجهة، بحجة المحافظة على ديموقراطية النظام. وكان جنرالات تلك الأيام المتعاقبون هم العماد جان نجيم والعماد إسكندر غانم والعماد حنا سعيد. كذلك حجب الرئيس إلياس سركيس العماد فيكتور خوري، والرئيس أمين الجميل العماد إبراهيم طنوس، إلى أن جاء العماد ميشال عون قائداً للجيش، فجنرال حكومة عسكرية انتقالية، ساعياً
إلى الرئاسة بالقوة.
وهكذا، بين أعوام 1945 و1990، لم يعرف اللبنانيون في حقب الرؤساء إلا جنرالاً واحداً، يقود الجيش ويتقاعد إذا تواضع بدوره، أو يطمح فيُكسر إذا كان طموحه أضعف من خصومه، ويمسك بزمام السلطة إذا غالى بطموح كهذا وكان خصومه هم الضعفاء. مع الحقبة السورية، كثر جنرالات النظام وجنرالات خصومه. في عهد الرئيس إلياس الهراوي جنرال في باريس هو عون، وجنرال في عنجر هو اللواء غازي كنعان (مع أن السوريين لا يستخدمون هذه التسمية)، وجنرال في قيادة الجيش هو العماد إميل لحود، وجنرال في مديرية المخابرات هو العميد جميل السيد. ثم في عهد لحود خمسة جنرالات في وقت واحد: أوّلهم لحود، وثانيهم عون منفياً وعائداً، وثالثهم كنعان ثم خلفه العميد رستم غزالة، ورابعهم قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وخامسهم السيد في الأمن العام. في ظل ذلك، يجبه استحقاق 2007 ثلاثة جنرالات: خارج ـــــ وقد تقاعد ـــــ هو لحود، وسليمان المقبل على الرئاسة بإجماع لم يكتمل بعد، وعون القابع في قلب مأزق الاستحقاق الرئاسي يمثل المشكلة والحل في آن واحد. على أن المشكلة، في واقع الأمر، بين جنرالين: عون وسليمان.
إلى اليوم تجربتان خبرهما اللبنانيون عن قائدين للجيش أضحيا رئيسين. أحدهما نجح هو شهاب، والآخر أخفق هو لحود. الأول جاءت به تسوية أميركية ـــــ مصرية أحاطها شبه إجماع على انتخاب شهاب، وإن فاز من الدورة الثانية للاقتراع، إلا أنه حافظ على أوسع تأييد من حوله على مرّ سنوات عهده. والثاني جاء به قرار محض سوري أرغم الحلفاء على مجاراته والتمديد له، ففشل لأن الإجماع الذي أحيط به افتعلته دمشق، حتى إذا انهار دورها في لبنان أصبح الرئيس وحيداً، وخرج من الحكم كذلك. مع هذا، رسم العماد سليمان حدود تعامله مع الاستحقاق الرئاسي على الشكل الآتي:
1 ـــــ ليس لديه ما يعطيه لا للموالاة ولا للمعارضة. وإذا كان ثمة ما يريده أحدهما، فليأخذه من الآخر. وهي إشارة صريحة إلى أن ليس للرجل أن يقدّم تعهّدات خارج نطاق التوازن الداخلي بين طرفي النزاع، ومن ضمن الأصول التي ترعاها المؤسسات الدستورية.
2 ـــــ يصف سليمان المؤسسة العسكرية بأنها «خط أحمر» يرفض إقحامها في تقاسم الحصص السياسية. والمقصود بذلك منصبا قائد الجيش ومدير المخابرات، المعني بهما تقليدياً رئيس الجمهورية مباشرة، وإن اتُخذ قرار تعيين القائد في مجلس الوزراء. وستكون هذه المرة الأولى التي يُعيّن فيها قائد للجيش بمعزل عن سوريا، وكانت في المرتين السابقتين، عامي 1989 و1998، على صلة مباشرة بهذا التعيين. ويتعيّن على رئيس الجمهورية استعادة التقليد مذ آخر تعيين لقائد للجيش بخيار لبناني صرف في حزيران 1984 مع عون نفسه.
3 ـــــ يدرك سليمان أن طرح اسمه لم يبدأ كمرشح توافقي، بل بمبادرة من رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، قبل أن يصبح مرشح قوى 14 آذار ليل الأحد الفائت (2 كانون الأول). تبعاً لذلك، فإن العقبات التي لا تزال تحوط ترشيحه ترتبط بأن كلّاً من طرفي النزاع لا يرى فيه بَعْد مرشحاً توافقياً، لعدم انبثاق تأييده من التفاوض الذي دار بين رئيس المجلس نبيه بري والحريري، الأمر الذي يضاعف من تبادل الموالاة والمعارضة شروط مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس الجديد، وإن اتفقا على الأخير. وقد تجمعتّ لدى سليمان سلة مما يطلبه الطرفان. وفيها:
ـــــ أرادت الغالبية الحريري رئيساً لأولى حكومات العهد، فردّت المعارضة بأحد ثلاثة أسماء مقبولة: الرئيس نجيب ميقاتي أو الوزير محمد الصفدي أو النائب بهيج طبارة. رئيس حكومة توافقي يلاقي رئيساً توافقياً.
ـــــ رداً على مطالبة الغالبية بالمحافظة على حصة ترجّح كفتها في الحكومة الجديدة، قالت المعارضة بتوزيع المقاعد الوزارية وفقاً للتمثيل النيابي بنسبة 55 في المئة لقوى 14 آذار، و45 في المئة للمعارضة: 16 وزيراً في مقابل 14 في حكومة ثلاثينية. واستناداً إلى ما سمعه من الغالبية والمعارضة عن تمسك كل منهما بمطالبه هذه، لاحظ سليمان أنها «تتطلب حكومتين ورئيسين ولبنانَين كي تتسع لها». وهي حال الخلاف على الحقائب السيادية.
ـــــ تعيين المناصب الأمنية الحساسة بالإجماع، أو يُترك لكل مرجعية سياسية تسمية مرشحها في المنصب العائد إلى طائفة هذا المسؤول الأمني أو ذاك. وإذا ترك للحريري اختيار مرشحيه في قوى الأمن الداخلي، يريد عون للأمن العام، بعد استعادة الموارنة لمديريتها العامة، العميد فؤاد الأشقر في هذا المنصب.
ـــــ الشق المتعلق بسلاح المقاومة في البيان الوزاري، هو نفسه الذي أوردته حكومة االرئيس فؤاد السنيورة بُعيد تأليفها في تموز 2005، ثمرة التحالف الرباعي القائم حينذاك: توأمة المقاومة واحترام الشرعية الدولية.