المصيلح ـ كامل جابر


لا يخطر ببال العابر على أوتوستراد النبطية ـــــ الزهراني، أن بين أفياء تلك المنطقة الحرجية الرائعة، أكثر من 222 مريضاً عصبياً وعقلياً يكادون أن يكونوا من دون طعام، أو تقنن لهم الأطعمة بانتظار إفراج وزارة الصحة العامة عن مستحقات مستشفاهم عن تسعة أشهر مالية.
«كتِّر خير هيك دولة». عبارة أولى تستقبل فيها مديرة المستشفى الدكتورة عادلة الدجاني اللبان،المستفسرين عن أحوال «مستشفى الفنار للأمراض العقلية والعصبية» في المصيلح؛ وتردف: «ما في أكل للمرضى، لأنه لا أحد يسلمنا بالدَّين؛ نحاول الترقيع، لكن إلى متى؟ فليعاملونا مثل مطارح آخرى في لبنان».
يضم المستشفى حالياً 222 مريضاً، وقد يصل العدد في بعض الأوقات إلى نحو 250؛ منهم مَن يعاني أمراضاً عقلية «متعبة»، ومنهم مَن يعاني أمراضاً نفسية، بينهم 50 امرأة، «إذ تحضر إلينا نساء بشكل أسبوعي، وأكثرهن عن الطرقات. ويقدِّم المستشفى جميع الخدمات التي تخص الأمراض العقلية والعصبية والنفسية؛ ومرجعيتنا في استقطاب هذا العدد هي وزارة الصحة العامة التي دفعت لنا عن الفصل الأول من هذا العام وتوقفت؛ ونراجع باستمرار ويكون الرد: لا نعرف متى الدفع، أو إذا سيتم للفئة الثانية هذا العام أو لا!».
تتراوح تكلفة المريض اليومية بين عشرين ألفاً (للمريض المزمن) و25 ألف ليرة لبنانية تتكفلها وزارة الصحة العامة. ومن تكلفة وسطية قد يحتاج 222 مريضاً يومياً إلى نحو أربعة ملايين ليرة، أي أكثر من 120 مليون ليرة شهرياً؛ وهذا يعني أن المستشفى حُرِم طوال تسعة أشهر نحو مليار ونصف مليار ليرة لبنانية، له في ذمة وزارة الصحة العامة؛ فضلاً عن مبالغ متوقفة عن عامي 2004 و2005.
يقوم ذوو المرضى في ظل الأوضاع القائمة، بتغطية بعض نفقات الأدوية الباهظة الأثمان، إما على نفقتهم الخاصة أو من خلال قنوات أو علاقات بوزارة الصحة العامة، وخصوصاً «في ظل عصر النفقات والعجز الدائم للمستشفى في الفنار، الذي يحاول قدر الإمكان تغطية نفقات الطعام والتدفئة وتسيير الأوضاع الطبية بالمستطاع. وتوضح اللبان: «كانت مخازننا في السابق تُمَوَّن لنحو ستة أشهر، اليوم نشتري كيسين من الأرز بدلاً من عشرة أو عشرين، والمستشفى يحتاج إلى كيس أرز في الحد الأدنى يومياً؛ قلت للموظف الذي أبلغني منذ قليل عن حاجتنا للأرز: اسأل إذا كان أحدهم يديننا. كثر الله من أمثال صاحب المحطة القريبة الذي بات له في ذمتنا ما يفوق مئة مليون ليرة لبنانية؛ وتنكة المازوت وصلت حالياً إلى 27300 ليرة وما زال يعطينا بالدين على أمل التسديد؛ وكذلك الفرّان، إذ نحتاج إلى 75 ربطة خبز في اليوم. أنا اليوم مدينة لهم جميعاً، بمن في ذلك الجزار والصيدلية والخضرجي. يا عيب الشوم».
يقوم ذوو نحو 14 فلسطينياً بتقديم مساعدات متواضعة للمستشفى، وكذلك أدوية مرضاهم، وتأتي بعض المساعدات من اللحوم والأغنام، من مؤسسات خيرية أو متبرعين، ولا سيما في الأعياد. ولتغطية بعض العجز يقوم المرضى «من أصحاب الأمراض الخفيفة» بزراعة حقول محدودة خضاراً في محيط المستشفى، فضلاً عن تأمين الحمضيات من 18 دونماً مزروعة في الجوار، والزيت والزيتون من 2600 شجرة زيتون مزروعة في أرض المستشفى، أكثرها مهمل، إذ تحتاج إلى عناية دائمة وخاصة. أما المياه فمن بئر ارتوازية هناك.
إلى الطعام، قد تكون قضية الأدوية مشكلة المشاكل، لذلك «نطلب إلى الأهل مساعدتنا في شرائها أو إحضارها من وزارة الصحة العامة؛ الخيارات محدودة أمامنا كي لا نقفل المستشفى. وأسأل هنا: ماذا سيفعل المسؤولون إذا أفلتنا 250 مريضاً من مختلف الأراضي اللبنانية؟ منذ عشرين سنة قلنا هذا الأمر، وحذرنا من إقفال المستشفى؛ أما اليوم، فالمسؤولية التي على عاتقنا كبيرة جداً، ولا يمكن أن أنسى وصية الراحل عبد الرحمن اللبان الذي كان وزيراً للصحة وتسلم وزارات أخرى، منها الشؤون الاجتماعية، عندما قال قبل وفاته: المرضى والمستشفى برقبتك؛ لذلك بقيت أديرها، 43 سنة، واليوم تساعدني ابنتي الدكتورة سمر عبد الرحمن اللبان».
وتشير اللبان إلى أن المستشفى لم يقفل أبوابه «طوال أيام عدوان تموز العام المنصرم؛ فإلى أين نطلق أكثر من 200 مريض في ظل ما كان قائماً من عدوان وخطر ولا نعرف مكان أهلهم أو ذويهم؟ بقيت هنا معهم طوال أيام العدوان، واتبعنا سياسة تقشف في الدواء؛ ومن حظ المرضى أنني كنت قد موّنت قبل أيام من حصول العدوان عن ثلاثة أشهر، وسلمنا هذه المرة من عدوان إسرائيل؛ وبعد توقفه جاءت عشرات الوفود المحلية والعالمية لتسألنا كيف صمدنا هنا واستطعنا في ذاك الجو العدواني أن نعول كل المرضى.
الكلام وحده لا يطعم المرضى، إنهم يحتاجون إلى مبالغ ومساعدات فورية، وقد صرنا كلنا هنا بحالة عصبية يرثى لها بسبب شح المال وقلة الموارد، وفقدان ثقة المدينين بنا؛ ولولا قلة قليلة لانهرنا تماماً».
بنى المستشفى الوزير الراحل عبد الرحمن اللبان عام 1962 على قطعة أرض اشتراها مع شركاء في محلة المصيلح، تبلغ نحو 800 دونم؛ وعليها يقوم مبنى للإدارة ومستشفى للمرضى، فضلاً عن مطابخ ومخازن وشقة للسكن. يداوم في المستشفى نحو عشرة أطباء وعدد من الموظفين الذين لم يتلقوا رواتبهم عن تسعة أشهر مضت.
أمس توفي مريض في المستشفى، جاء به أهله منذ عشرين سنة، وتركوه من دون السؤال عنه طوال مدة إقامته. أمس، تسلموا جثته لدفنها. وحال المريض هذا تشبه حال العديد من المرضى الذين تركوا في عهدة المستشفى الذي يصارع يومياً من أجل معالجة أمراضهم وإيوائهم وإطعامهم، «في مقابل غياب تام وكامل لذوي بعضهم وللدولة التي ترعى في غير أمكنة وتنسى هنا في الجنوب، حتى المرضى النفسيين والعقليين».