إبراهيم الأمين


يحلو لقوى كثيرة في لبنان أن تنسب بعض التراجعات أو الخسائر السياسية الى المناخ الخارجي. وفي حمأة التدخلات الآتية من كل حدب وصوب، يصعب في لحظة واحدة التمييز بين الأسباب الداخلية لانهيار جبهة 14 آذار وتراجعها نحو قتال دفاعي، والأسباب الخارجية التي جعلت القوى الحامية لها إقليمياً ودولياً تعيد النظر في استراتيجيا الهجوم التي كانت قائمة. وفي هذا السياق، تبدو صورة المشهد اللبناني الآن أكثر تعقيداً من السابق، لا بل إن الانفراج الذي حصل منذ نحو أسبوعين وترافق مع ترشيح العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية، عاد وانغلق على احتمالات مقلقة، ليس أقلها خطراً تمدّد حالة الفراغ الى أسابيع أو أشهر، والعودة الى سجال الترشيحات. علماً بأن الكلام عن استعداد العماد سليمان لإعلان انسحابه من معركة دُفع إليها بخلاف رغبته، هو كلام غير واضح المصدر، رغم انتشاره بقوة أمس في أوساط عديدة، لكن ضعف الخبر سببه أن جيش المرشحين للرئاسة هو من يتولّى بث الخبر الخاص بقائد الجيش.
منذ ما قبل مؤتمر أنابوليس والولايات المتحدة تعرف أن نظرية حصر جدول الأعمال في سوريا وإيران لم تأت بنتيجة، وأن الوقائع تفرض إدخال بنود على جدول البحث بما يتناسب مع المطالب الأميركية، فكيف إذا كان لبنان يمثل وحده وبترابطه مع الملف الفلسطيني وتحولاته أكثر الساحات العربية حرارة؟ وهذا يعني أن الأميركيين، الذين بالغوا في نفخ أنصارهم ومؤيديهم في لبنان، كانوا يعوّلون على قدرات أكبر عند هؤلاء لفرض وقائع يريدونها. لكن العناصر المحلية لم تف بالغرض، وكانت إشارات المعارضة الميدانية تعكس استعداداً للذهاب الى أبعد الحدود في المواجهة.
وبهذا المعنى، يقدم أبرز المراجع السياسية المعنية بالقضية قراءة لما حصل، مع تمييز بين المعطى الداخلي والمعطى الإقليمي، قبل أن يستخلص استنتاجاته بالنسبة إلى المرحلة المقبلة.
في المعطى الإقليمي، يلفت المرجع الأبرز في الحياة السياسية اللبنانية إلى أن الأميركيين تعاطوا مع مشاركة سوريا في لقاء أنابوليس على أساس أنها إشارة استعداد للتعامل مع الملفات الساخنة، في العراق وفلسطين ولبنان، حيث تكشف المعطيات عن تحوّلات كبرى في منهج بحث واشنطن في مستقبل وجودها العسكري في العراق. ويكشف المرجع عن بحث يقوم على فرضية أميركية بسحب الجنود من المدن العراقية خلال وقت ما في السنة المقبلة، وحجزهم في ثكن ومواقع بعيدة عن السكان، مع تقليص جدي في العدد، وإيجاد آلية تمنع بقاء هذه القوات في مرمى نيران المقاومة، هذه المقاومة التي شهدت تطوراً مهماً بغضّ النظر عمّن يقف خلف هذا التطوير. وبالتالي، فإن المخارج والتسويات التي تسعى إليها الولايات المتحدة في العراق تحتاج الى تعاون مباشر ووثيق مع القوى القادرة على ضبط الوضع أو تركه ينفجر أكثر من ذي قبل، وقد توجّهت رأساً إلى سوريا وإيران وهي تحتاج إلى مساعدة مباشرة في هذا الأمر. وليست الولايات المتحدة في وضع يمكّنها من مقايضة سوريا أو إيران ولا فرض عقوبات من النوع الذي يقلق النظامين هناك، وخاصة أن الإشارات إلى تراجع احتمالات الحرب على إيران أو من إسرائيل على سوريا، كانت سابقة على تقرير الاستخبارات الأميركية، التقرير الذي جاء ليبرر سياق المعطيات السياسية اللاحقة، وهو الذي تستخدمه جهات في واشنطن للقول إن الضغوط الدبلوماسية على إيران نجحت في منعها من التوسع في النشاط النووي، وهذا يعني أن ممارسة الضغوط الدبلوماسية تؤتي ثمارها ولا داعي لمغامرة عسكرية من شأنها تغيير كل المعادلات.
إضافةً الى ذلك، يلفت المرجع الى أن ما حصل في غزة، ثم تماسك حماس رغم الضغوط الداخلية والخارجية عليها، وعدم قدرة سلطة الرئيس محمود عباس على إنتاج وضع بديل، وانعدام فرصة تحقيق شيء جدي في أي مفاوضات مع إسرائيل، وتعاظم قدرة سوريا على العمل في لبنان وفلسطين والعراق، كل ذلك كان يقود الأميركيين الى السؤال عن طريقة التصرف في لبنان: هل نذهب في اتجاه مواجهة عبر دفع جماعاتنا الى خيار رئاسي أُحادي مهما كلف الأمر، أم نذهب في اتجاه تسوية تمنع وقوع المزيد من الخسائر؟
كان هذا السؤال يحتاج الى عناصر لبنانية محلية للإجابة عنه. وفي هذا الإطار، كما يقول المرجع الأبرز في السياسة اللبنانية، يظهر المعطى الداخلي، حيث أبلغت المعارضة، ولا سيما حزب الله، أنها لن تتعامل مع ملف رئاسة الجمهورية كما تعاملت مع ملف الحكومة، وبالتالي، فإن المناخ السائد لدى حزب الله من جهة، ولدى حليفه المسيحي الأبرز التيار الوطني الحر من جهة أخرى، كان يدفع الى رد فعل قاس على أي محاولة من جانب 14 آذار للسير في خيار النصف +1، وهو الأمر الذي ترجم برسائل عديدة، منها الكلام المباشر الذي سمعه موفدون عرب وأجانب، بينهم الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ووزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير، من أن إقدام فريق الأكثرية على خطوة من هذا النوع يفتح الباب جدياً لا نظرياً على مشكلات لبنانية داخلية سوف تقود حتماً إلى حرب أهلية وإلى فوضى، وأن الخطوط الحمراء التي قامت سابقاً بسبب عدم رغبة أحد في إقحام البلاد في مواجهات تأخذ طابعاً طائفياً أو مذهبياً لم تعد موجودة، وثمّة مجريات ميدانية حصلت في أكثر من منطقة لبنانية، كان أبرزها ما شاهده وليد جنبلاط في جبل لبنان والمتعلق باستعدادات عملية لمعركة فاصلة من النوع الذي يسحق قواه الذاتية خلال ساعات، وهو الأمر الذي لمس قائد القوات اللبنانية سمير جعجع جانباً منه في أكثر من إجراء عملي بما ذلك طريقة تصرف الجيش، وأن كل ما يقال له عن استعداد جدي لدى حفنة من الشباب للمواجهة هو كلام بلا معنى. وسط هذا الجوّ همس عاقلون في دائرة سعد الحريري في أذن الزعيم السني الشاب: لسنا لها!.
كانت اللحظة مناسبة لاستدارة ما، لكن حجم هذه الاستدارة لم يكتمل بعد!.
(غداً: مقاصة الربح والخسارة)


المواجهة المفتوحة بين معطيين داخلي وخارجي (1)
مقاصة تُظهر المعارضة رابحة وداعمة للتسوية (2)