باريس ـ بسّام الطيارة


لم تفاجأ الأوساط الباريسية المتابعة للملف اللبناني من إقدام فرنسا على طرح مشروع بيان رئاسي في مجلس الأمن بشأن لبنان. وتكشف مصادر مقربة من وزارة الخارجية أن «فكرة المشروع تعود إلى أسبوعين ونيف»، قبل أن تظهر بوادر انفراج في الأزمة اللبنانية ويتم التوافق على اسم قائد الجيش مرشحاً للرئاسة، وأنها شكّلت أحد التهديدات التي حملتها شخصية مفاوضة إلى الفرقاء المحليين وعواصم المنطقة.
وتضيف المصادر أن الانفراج أعاد الفكرة إلى أدراج الاحتياط، ثم أخرجته التطورات الأخيرة أول من أمس على شكل مشروع يدعو «مجلس الأمن إلى إجراء، من دون تأخير، انتخابات رئاسية حرة ونزيهة وبدون أي تدخل، وأن يكون ضمن القواعد الدستورية اللبنانية».
وسألت «الأخبار» الوزير الفرنسي برنار كوشنير عما إذا كانت بلاده ترى أن تعقيدات الأمور هي التي استوجبت هذه الخطوة؟ فقال إن «الصعوبات أمام إجراء الانتخابات باتت سياسية، لا دستورية فقط، رغم ما يقولون». ورأى أن صدور مثل هذا البيان فيه تحريك للأمور.
وأردف: «لقد قامت فرنسا بما يمكنها منذ أسابيع وأشهر، وكان يفترض عقد جلسة انتخاب اليوم (أمس) ولكنها لم تعقد، وعلى كل طرف تحمل مسؤوليته»، مشدداً على أن الإعلان الرئاسي الذي يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن هو «خطوة سياسية»، وأن دور فرنسا «تسهيلي» دفعاً لحصول الانتخاب.
وترى مصادر مقربة أن «الفراغ بات يقارب نوعاً من الفوضى الهادئة»، وبدأ يثير تخوفات فرنسية من أن يدوم لفترة طويلة. وقالت إن الدبلوماسية الفرنسية بدأت ترى أن المعوقات الرئيسية تنبع من «مواقف المعارضة المتشددة»، وفسّرت هذا التشدد بأنه نتيجة «تسجيل المعارضة لنقاط عدة» خسرتها الأكثرية، عازية أسباب تراجع مواقف الأخيرة إلى مجموعة عوامل خارجية، في طليعتها «تغير في الاستراتيجية الأميركية على المدى القريب». ووضعت في سلة واحدة كماً من الإحباطات الأميركية التي أضرّت وتضرّ بمصالح الإدارة الأميركية وأدت إلى «تغيير تكتيكي» في المرحلة الفاصلة عن الانتخابات الرئاسية.
وتضيف المصادر أن الأكثرية اكتشفت بعد مشاركة سوريا في مؤتمر أنابوليس أن «فرنسا تشكل الحلقة الضعيفة في مسار التفاوض والضغوط التي كانت قائمة»، وهي ترى أن تراجع مواقعها كان بسبب ضعف هذه الحلقة التي «شكّلت زيارات كوشنير رمزيتها»، وهو ما يفسر الحملة من أوساط الأكثرية على الوزير الفرنسي قبيل زيارته الأخيرة إلى بيروت، والتي طالت أحياناً الرئيس نيكولا ساركوزي.
وعلمت «الأخبار» من أوساط واسعة الاطلاع أن خبراء مقربين من الخارجية الفرنسية «نصحوا كوشنير بتخفيف وطأة اندفاعه تجاه الملف اللبناني»، محذرين من «ردة فعل سلبية في حال حدوث أي خلل في ميزان القوى بين الأفرقاء»، كما حذّروا مراراً من تغيير أميركي «لا يأخذ في الاعتبار مصالح فرنسا ولا الجهود التي استثمرتها». وأكدت هذه المصادر أن تدخل ساركوزي المباشر كان بهدف «الخروج من عنق الزجاجة» قبل حدوث هذا التغيير الذي نبهت منه «أوساط استخبارية» في المنطقة وبانت تباشيره في «تقارير عدة وصلت إلى باريس».
من هنا، يرى البعض أن تضمين البيان الرئاسي المكون من مقدمة وست نقاط، نقطة «تشدد على دعم الحكومة اللبنانية» وتشير إلى رئيسها بالاسم، رغم التحفظات التي يمكن أن يثيرها ذلك، ما هي إلا خطوة على طريق إعادة ميزان القوى، رغم اعتراف البعض بعدم جدوى هذه الخطوة التي يمكن «أن تستفز المعارضة» دون أن يكون لها نتيجة قانونية.
وهذا ما يفسر التلكؤ الذي عومل به المشروع من الدول الأعضاء والذي يمكن أن يعوق البحث فيه إلى السنة الجديدة، وخصوصاً أنه أثار تحفظات بعض الدول التي رأت فيه «تدخلاً في الشأن اللبناني يمكن أن يزيد الأمور بلبلة».