أنطوان سعد


عاد زوّار للعاصمة السورية ـــــ محايدون في النزاع السياسي القائم حالياً في البلاد ـــــ التقوا كبار المسؤولين السوريين منذ بضعة أيام بانطباع مفاده أن دمشق لا تزال سائرة في عملية التوافق على قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، لكنها راغبة في توجيه درس لبعض خصومها ممن كانوا لفترة عقود من حلفائها ومحظييها. ونقلوا عن أحد أركان النظام السوري قوله لهم إن المطلوب فقط «تمريغ أنوفهم في التراب، وكل شيء سيكون بعد ذلك على ما يرام».
علماً بأن القوى الرئيسية في البلاد، بمن فيها قيادة الجيش، تبلغت، يوم الجمعة الماضي، أن «كلمة السر قد أعطيت للمضي قدماً في عملية انتخاب رئيس الجمهورية، ولم يبق للمعالجة سوى تفاصيل متعلقة بآلية تعديل الدستور»، بحسب مصادر مطلعة ذكرت أيضاً أن ثمة تمنياً لقائد الجيش بأن تتم عملية انتخابه بشبه إجماع لا يستثني أحداً من القوى السياسية بمن فيها العماد ميشال عون.
وقد قيل أيضاً إن حزب الله أخذ على عاتقه إقناع رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» بالانخراط في مشروع التوافق على قائد الجيش في غضون الأيام الثلاثة الواقعة بين جلستي الجمعة والثلثاء.
غير أن الصعوبات المتعلقة بآلية التعديل الدستوري التي ظهرت في الساعات الأخيرة دلت على أن التوافق لا تزال دونه عقبات كثيرة أو على الأقل، في ضوء المعلومات التي نقلها زوار دمشق، لن يجد طريقه إلى الترجمة العملية، تعديلاً للدستور وانتخاباً لقائد الجيش، إلا بعد مبادرة قوى الرابع عشر من آذار إلى تقديم تراجع جديد.
وفي هذا الإطار، ترى شخصية سياسية مخضرمة محايدة في الأزمة القائمة، وإن كانت أقرب بعض الشيء إلى طروحات الأكثرية، أن المسألة عالقة عند الحد الآتي: قوى المعارضة ترى أن الأكثرية خسرت المعركة وعليها رفع راية الاستسلام البيضاء، وتقديم كل التنازلات، في المقابل، لا ترى الأكثرية أن في استطاعتها التراجع أكثر مما تراجعت لأن مصيرها وصدقيتها باتتا على المحك.
وفي ظل غياب الضغط الدولي الكافي لحمل الأطراف اللبنانية على التراجع خطوة باتجاه الحل التوافقي، سيبقى كل منها متمسكاً بموقفه معتبراً أن ليس من مصلحته تقديم هذا التنازل، وأن لا حاجة لذلك في ظل التوازنات القائمة:
ـــــ العماد عون يراهن على أن أي تغيير للأوضاع والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط وفي السياسة الدولية سيقوي من موقع المعارضة، وهو الأمر الذي سيزيد من حظوظه في الوصول إلى قصر بعبدا خصوصاً أن انتخابه لا يحتاج إلى تعديل دستوري يوجب دوراً للحكومة التي لا تعترف المعارضة بشرعيتها.
وهو يرى أن رفعه الشعارات الكبيرة المتعلقة برفع الغبن عن المسيحيين وإعادة التوازنات إلى ما يجب أن تكون عليه، من شأنه أن يقيه شر استياء الرأي العام المسيحي من استمرار الفراغ في منصب رئيس الجمهورية، على طريقة «خلخلنا المسمار، ولم يبق سوى قبعه»، كما كان يقول سنة 1989 عندما كان يريد حث الرأي العام على الصمود أكثر في وجه الضغوط الكثيرة التي كانت سوريا تمارسها على المنطقة الشرقية.
ـــــ حزب الله وحركة أمل ومعظم الأوساط الشيعية يجدون أن الفرصة قد سنحت لتلقين الأكثرية درساً قاسياً على خيارها المضي بالحكومة بعد انسحاب كل الوزراء الشيعة منها، والاستمرار في إدارة شؤون البلاد واتخاذ قرارات كبرى متعلقة بمستقبل البلاد كأن شيئاً لم يكن.
وترى القيادات الشيعية أن وقوفها بالكامل وراء التيار الوطني الحر ورئيسه، باعتباره صاحب التمثيل المسيحي الأعرض في لبنان، في قضية الانتخابات الرئاسية منذ بدء الموسم الانتخابي، من شأنه أن يبعد عنها تهمة عرقلة إجراء الانتخابات وحرمان الطرف المسيحي من الموقع الذي يضمن له الشراكة في عملية إدارة البلاد.
ـــــ الأكثرية تشعر، عبر تخلّيها عن خيار الانتخاب بالنصف زائداً واحداً الذي هولت به في الأشهر الأخيرة وترشيحها قائد الجيش المعتبر قريباً من المعارضة، بأنها قدمت التراجع المقبول حتى لا تحمّلها الأوساط المسيحية وحدها مسؤولية استمرار الفراغ في منصب رئيس الجمهورية، واستمرار صلاحيات الرئاسة في عهدة مجلس الوزراء الذي يشكك بصحة تمثيله للمسيحيين كل القوى السياسية المسيحية المنضوية في قوى الرابع عشر من آذار.
وفي ظل شعور هذه الأطراف بأنها غير مسؤولة عن استمرار الوضع الشاذ، فإن الوضع مرشح للبقاء في دائرة الجمود بانتظار تبديل ما في موقف بعض العواصم القريبة.