باريس ـ بسّام الطيارة


عاد لبنان إلى واجهة الاهتمام الفرنسي، رغم انهماك باريس بفولكلور استقبال الرئيس الليبي ودفق التصريحات المتناقضة حول ما إذا تكلم معه الرئيس الفرنسي عن حقوق الإنسان أم لا، إلى جانب تمجيد «شطارة» ساركوزي وحصوله على عقود عسكرية وتجارية ضخمة.
حتى قبل وصول خبر اغتيال العميد فرنسوا الحاج، كانت الأجواء الفرنسية تشير إلى تغيير في مقاربة الملف اللبناني، برز بقوة عبر مقابلة لساركوزي أجريت قبل يومين مع مجلة «نوفيل أوبسرفاتور»، وفيه نفَس خط سمّته مصادر ديبلوماسية «الجديد ـــــ القديم»، في إشارة إلى تحول في موقف فرنسا يذكّر كثيراً بما كانت عليه في عهد الرئيس السابق جاك شيراك رغم «الخلط الديبلوماسي» القائم حالياً بين العديد من الملفات والتشويش الذي يؤججه معارضو سياسة ساركوزي الانفتاحية المرتبطة بعقود تجارية.
فساركوزي الذي لا يبدو مستعدّاً لمقاطعة الصين «لأنها تشكّل ربع الإنسانية» وسوقاً كبيرة للمنتجات الفرنسية، والحاضر للذهاب إلى طهران لـ«البحث في تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية» إذا سمحت إيران لوكالة الطاقة النووية بـ«القيام بعملها»، لن يذهب إلى سوريا إلا ضمن شروط هي شيراكية قبل كل شيء.
وقد أعلن ساركوزي في المقابلة، في تبرير لانفتاحه على سوريا لتحريك الملف اللبناني، أنه «تردد كثيراً قبل مخاطبة بشّار الأسد» وقبل إرسال أقرب معاونيه كلود غيان وجان دافيد ليفيت، إلا أنه أردف أنه «مستعد للذهاب إلى دمشق» إذا «حصلت انتخابات توافقية وتوقفت الاغتيالات ولم تعرقل سوريا عمل المحكمة الدولية».
وتتساءل أوساط باريسية: إذا كان هذا الحديث قبل اغتيال العميد الحاج، فما يمكن أن يكون عليه تطور الموقف الفرنسي بعد هذا الحدث الكبير؟ مذكّرة بردة فعل الوزير الفرنسي برنار كوشنير بعد اغتيال النائب انطوان غانم وتوجيهه أصابع الاتهام «بشكل غير مباشر وعبر تصريحات ملتوية» إلى سوريا، وهو ما غاب عن تصريحه أمس حين اكتفى بالتنديد بهذا العمل الذي «يظهر رغبة في خلخلة الاستقرار»، مشدداً على أن «الجواب الوحيد يجب أن يكون من خلال التحلي بالمسؤولية والعمل من دون تردد على انتخاب رئيس جديد».
ويرى مراقبون أن اعتداء أمس يمكن أن يعيد خلط أوراق «الموقف الفرنسي الجديد»، خصوصاً أن مصادر واسعة الاطلاع أشارت لـ«الأخبار» إلى أن طريقة تنفيذ التفجير الإرهابي الأخير أي الـ(modis operanti) مطابق لعمليات اغتيال سابقة في لبنان، لافتة حصراً الى عمليتي «اغتيال النائبين عيدو وغانم».
ويأتي هذا، بعد أن كان جنرال فرنسي عمل في إطار اليونيفيل قد وجه أصابع الاتهام مباشرة إلى «الجماعات الراديكالية السنية» في عدد من حوادث الإرهاب التي حصلت في لبنان في الأشهر القليلة الماضية.
وتحدثت مصادر عن وجود «رغبة فرنسية حقيقية بتحييد الملف اللبناني» عن «تراكم الملفات المترابطة بعضها مع بعض في منطقة الشرق الأوسط»، وأن هذه الرغبة قادت في بداية العهد الساركوزي إلى «تفريغ ملف لبنان للوزير كوشنير»، قبل أن يبدأ استرداد الملف نحو الإليزيه بدخول ساركوزي مباشرة على خط الاتصالات الهاتفية مع المعنيين في لبنان إلى جانب زيارة غيان وليفيت إلى المنطقة. وتستطرد هذه المصادر بأن الاقتراب من التوافق على ترئيس قائد الجيش أعاد بعض النفَس إلى مبادرة كوشنير «قبل أن تؤول زيارته الأخيرة إلى» حائط مسدود، وهو ما دفع بعودة الملف إلى أيدي ليفيت «الذي سارع إلى تحريك» خيوط نيوريورك «التي أعادت إلى بساط البحث البيان الرئاسي في مجلس الأمن».
وتقول هذه المصادر إن ساركوزي «الذي جرب مسار كوشنير» مستعدّ «لتجريب مسار ليفيت» الذي يعيد الماء إلى طاحونة التصريحات الحاضرة لاتهام سوريا والمعارضة بعرقلة انتخاب الرئيس، والتي لها «آذان صاغية في واشنطن» خصوصاً أن ليفيت يبحث عن دور بعدما تأكد له «أن ساركوزي قد ألغى فكرة إنشاء مجلس أمن قومي» على النمط الأميركي كان يأمل بترؤسه لتأليف ثنائي لإدارة الأزمات الخارجية، وهو ما أكدته مصادر مقربة من الإليزيه لـ«الأخبار».