strong>نادر فوز


• طائفة تتفق على فقدانها حقوقها وتختلف على أشياء كثيرة

يجد المسيحيون أنفسهم مبعدين عن السلطة منذ بدء العمل باتفاق الطائف: زعماء أبعدوا إلى المنفى أو سجنوا، وآخرون تكيّفوا وحكموا دون التمثيل الشعبي الصحيح. فبدأت حقبة هبوط سياسي مسيحي.

عادت في الآونة الأخيرة، مع استمرار الفراغ الرئاسي وغياب السلطة المسيحية الأولى، عبارة «الإحباط المسيحي» إلى واجهة الخطاب السياسي. وإن لم تكن هذه العبارة رائجة على لسان السياسيين، إلاّ أنها تنتشر في جميع الفئات الاجتماعية المسيحية. ترفض القوى السياسية المسيحية هذه العبارة، قائلة إنها ليست تشخيصاً واقعياً لما تعانيه الطائفة، ويفضل بعض ممثليها استخدام عبارات أخرى مثل «الاستياء»، «الزعل»، «الغبن» أو «التهميش». ومهما كانت التسمية، فإن الجميع متفقون على أن حالة المسيحيين ليست بخير، وأنها تحتاج إلى معالجة.
يعرّف علم النفس الإحباط بأنه حالة انفعالية، قوامها الشعور بالفشل وخيبة الأمل، وتتضمّن إدراك الفرد لوجود عقبات تحول دون إشباعه لما يسعى إليه من حاجات. ومن جهته، يرى عالم النفس كارل غوستاف يونغ أنّ مسألة الإحباط الجماعي تتغذى من ذكرى مأساة جماعية، ومن طرق المعيشة والتربية كما من الاغتذاء من ذاتها.
يرفض المسؤول الإعلامي في التياّر الوطني الحرّ، أنطوان نصر الله، شعار «الإحباط المسيحي»، ويبدله بـ«زعل واستغراب مسيحيين». ويعود إلى حقبة الوجود السوري في لبنان، حين «كانت هناك نظرة دونية للمسيحيين، أدت إلى إبعادهم عن السلطة»، مشيراً إلى أنه كان يُنظر إلى أبناء الطائفة على اعتبار أنهم الوحيدون الذين قاتلوا في الحرب أو تعاملوا مع الخارج. أمّا بعد انتهاء الوصاية السورية على لبنان، فيتّهم نصر الله السيدين جنبلاط والحريري بانتهاج خط سياسي يسعى إلى معاملة المسيحيين كأقلية يجب استغلالها. أما من هم المسؤولون عن تسويق «الإحباط»، فيجد نصر الله أن بعض الأطراف المسيحيين التقليديين من مصلحتهم التهويل لإشعار المسيحيين بأن هؤلاء الأطراف هم الذين سيحمونهم من الخطر، فضلاً عن الثنائي جنبلاط ـــــ جعجع الذي يسوّق لهذه الحالة أيضاً بذريعة تأمين الحماية للطائفة المسيحية، فيما يبقى طرف أخير متمثّل بدول خارجية «في الشرق الأوسط».
وللخروج من الأزمة التي يعانيها المسيحيون، يرى نصر الله أن على بكركي طرح مشروع يجدد الرؤية العامة للبنان، داعياً إلى انتفاضات داخلية في المؤسسات والقوى المسيحية. ورأى نصر الله أنه يجب الاستفادة من تجربة التيار الوطني الحرّ خلال عدوان تموز «التي أسقطت مقولة أنّ المسيحيين يتكلون على الخارج وخاصة إسرائيل»، مضيفاً: «ويجب الاستفادة من هذه الحالة التي نشأت خلال حرب تموز لإخراج المسيحيين من تهميشهم، ونقلهم من حالة الشكوى إلى حالة العمل».
بدوره يدحض مسؤول منطقة البترون في القوات اللبنانية، فادي سعد، عبارة «الإحباط المسيحي»، مستعيناً بـ«التهميش» لتوصيف الحالة السياسية المسيحية، «أما الإحباط، فهو يسيطر على كل اللبنانيين، ومن أي طائفة كانوا، بسبب الأداء السياسي العام». أما مسألة الإحباط التي أشيعت في فترة التسعينات، بحسب سعد، فهي «بروباغاندا أطلقها هذا النظام لجرّ المسيحيين إلى الالتفاف حول الزعامات المسيحية التي ابتدعها السوريون خلال تلك الحقبة». ويرى سعد أنّ الخوف الذي يشعر به أبناء الطائفة المسيحية نابع من عدم استقرارهم منذ اتفاق الطائف، وأنّ المسيحيين يمثّلون حجر الأساس في مكوّنات هذا البلد، «وغيابهم عن السلطة يعني انتهاء لبنان أو تغيير وجهه». وفي ما يخص الوضع الحالي، لفت سعد إلى أنّ ما يعيشه اللبنانيون اليوم مرشّح للتكرار كل ست سنوات «حين تعمد بعض الأطراف إلى تعطيل الدستور ومؤسساته»، متحدثاً عن «الشرخ الحاد بين الجسم السياسي والشعب».
المطلوب، بحسب سعد، تحقيق رغبة الشعب، أي حلمه في العيش وتربية أولاده في بلد ديموقراطي يحكمه القانون، ولا سلاح فيه خارج مؤسسات الدولة. ويرى سعد أنّ كل طائفة في لبنان «تمرّ بمرحلة مراهقتها السياسية»، والمهمة الآن «بناء دولة».
أمّا الأمين العام للاتحاد من أجل لبنان، مسعود الأشقر، فرفض بدوره عبارة «الإحباط المسيحي»، لافتاً إلى أنّ هذه العبارة نشأت خلال الوصاية السورية على لبنان، «فاخترعت وبدأ تداولها وتسويقها». أمّا الحالة المسيحية، بحسب الأشقر، فيمكن ترجمتها عبر «فقدان عدد من الحقوق المسيحية» بواسطة القوانين والحكومات والتعيينات.
ويأسف الأشقر لاستمرار هذه الحالة حتى بعد خروج الجيش السوري من لبنان، إذ «استكمل تهميش المسيحيين في مجلس النواب في اعتماد قانون غازي كنعان». ويرى الأشقر أن «التهميش لا يزال مستمراً» عبر الحكومة التي أُلّفت بعد الانتخابات النيابية الأخيرة.
ويرى الأشقر أنه يجب وضع حدّ للحالة المكبلة للمسيحيين منذ 18 عاماً، وعبر السماح لهذه الطائفة بالتمثّل الصحيح في المجلس النيابي والحكومات وجميع المراكز في مؤسسات الدولة، مشيراً إلى أنّ أسوأ قانون انتخابي هو قانون عام 2000، إذ يمكن اعتماد قانون القضاء أو القانون الذي وضعته لجنة فؤاد بطرس، أو الدائرة الفردية «وليس في هذه أي مسّ بالعيش المشترك». كما يرى الأشقر أنّ ورقة التفاهم بين عون ونصر الله تهدف إلى تصحيح الوضع المسيحي، و«نحن لا نريد نيل حصة أي طائفة أخرى، بل نريد أن يبقى لبنان بلد التعايش وملتقى الحضارات والحريات».




مسيحيون ومسلمون

تتحدث معظم الدوائر المسيحية عن ضرورة تحقيق تمثيل نيابي مسيحي صحيح، فتطالب بقانون انتخابي عادل، وخصوصاً في ضوء الهاجس الديموغرافي مع ارتفاع عدد الناخبين المسلمين فوق عدد الناخبين المسيحيين.
ولفت المرشّح السابق مسعود الأشقر إلى أنّ القانون الانتخابي الذي جرى العمل به عام 2000 لم يضمن التمثيل الحقيقي للمسيحيين، إذ كانت الأصوات المسلمة هي التي حسمت المعركة الانتخابية.
وجاء التمثيل المسيحي بأصوات المسيحيين، بعد انتخابات عام 2005، 36 نائباً فقط. وقامت التحالفات مع المسلمين باختيار النواب الآخرين مما تعارض مع الرغبة الحقيقية التي أرادها الناخبون المسيحيون.



خيم ثورة الأرز

مع ثورة الأرز التي اندلعت عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، نصبت الخيم في «ساحة الضريح»، واستمرّ اعتصام قوى 14 آذار لأشهر عديدة. وبعد إسقاط الحكومة واقتراب موعد الاستحقاق الانتخابي عام 2005، انسحبت معظم القوى، وبقي أنصار القوات اللبنانية وحدهم في الخيم البلاستيكية على اعتبار أنه لا يجوز التخلّي أو تأجيل المطالبة برحيل العماد إميل لحود. وأضيف مطلب «العفو» عن قائد القوات اللبنانية، سمير جعجع، إلى مطالب القواتيين، إلا أنّ أطراف المعارضة حينها لم تحرّك هذا المطلب لانشغالها بالإعداد لهندسة الانتخابات النيابية. تهميش المسيحيين ومطالبهم لم يأت من «حلفاء سوريا» وحدهم، بل حلفاء المسيحيين أيضاً.