نقولا ناصيف


ثمة اتفاق خاص بين الرئيس نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، هو تقاسمهما الأدوار في المواجهة مع الغالبية الحاكمة: في السياسة المفاوضة لبري، وفي الأمن وتحريك الأرض القيادة لنصر الله. قد يكون بري اليوم بين قلة من السياسيين اللبنانيين الذين لم ينقطع دورهم السياسي مذ أصبح في واجهة الأحداث عام 1980. لم يعرف النفي كالرئيسين أمين الجميل وميشال عون، ولا السجن كالدكتور سمير جعجع، ولا «التجيير الذاتي» وراء زعامة سنية كبيرة هي الرئيس رفيق الحريري كالنائب وليد جنبلاط، ولا اتخذ قرارات أضحت لعنة كالرئيس الياس الهراوي، ولا عرف ضمور الشعبية كالرئيس إميل لحود الذي دخل الرئاسة بإجماع ويخرج منها بإجماع، ولا كان تحالفه مع دمشق مكلفاً كحال الوزير السابق سليمان فرنجية. مناور يتذكر باستمرار خدعة أوقعه فيها الرئيس كميل شمعون عام 1984 إبان مفاوضات لوزان عندما استخدمه في مناورة ضد الجميل.
هو اليوم خصم وحكم في آن واحد. زعيم شيعي في المعارضة، ورئيس لمجلس النواب يستخدم المناورة في الموقعين، إذ يطابق بينهما. تماماً كما يحاول الرئيس فؤاد السنيورة استخدام الثلثين في مجلس الوزراء في مواجهة المعارضة، من دون أن يميّز نفسه عن تيار المستقبل، وهي أيضاً حال الوزراء الآخرين. وهو مثل بري يجعل المناورة في الصلاحيات منبر النزاع بينه وبين مناوئيه. وكما يقول السنيورة عن خمسة وزراء شيعة استقالوا قبل ثلاثة أشهر إنهم وزراء متغيبون ليس إلا، لكن عربة السلطة التنفيذية تسير من دونهم، يقول بري إن الحكومة غير ميثاقية وغير دستورية وليس لمجلس النواب أن يكرّس واقعها هذا بالالتئام قبل حل مشكلتها مع رئيس الجمهورية. وهكذا الأمر على منوال واحد: كل من الرؤساء الثلاثة، إميل لحود ونبيه بري وفؤاد السنيورة، يستخدم الصلاحيات الدستورية في خدمة موقفه السياسي. وكل منهما ينطلق من شرعية دستورية وقانونية ممتلئة.
ولأن كلاً من لحود والسنيورة يعتقد أنه يواجه من موقعه خصماً من قش يقف وراءه عود شرس، يبدو موقع رئيس المجلس حيالهما مختلفاً. لا يزور رئيس الجمهورية حليف المعارضة، ولا يستقبل رئيس الحكومة عدوها. تتقاطع صلاحياته القانونية مع صلاحيات كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، من غير أن يبدو في نظر الغالبية رئيساً غير شرعي للبرلمان كما يبدو لحود رئيساً للجمهورية غير دستوري، والسنيورة في نظر المعارضة رئيساً للحكومة سقطت شرعيته. وعلى مرّ تجربته في الحكم مذ انتخب رئيساً للمجلس قبل عقد ونصف عقد من الزمن، لا يرى بري في لحود ما كان يراه في الرئيس الياس الهراوي وكان ضد التمديد له، ولا في السنيورة ما كان يراه في الرئيس رفيق الحريري وقد تناحرا طويلاً قبل أن تعمد دمشق إلى مصالحتهما دائماً. وقياساً بذلك لا يرى أن إخلاص لحود لدمشق كان أجدى لبنانياً من وفاء الهراوي لها، ولا السنيورة على رأس حكومة الاستقلال أكثر حرية في التحرّك والمبادرة والاستقلالية من الحكومات التي كانت دمشق تؤلفها للحريري.
وفي واقع الأمر لا يقف بري عند تقاطع صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فحسب، ولا عند تقاطع النزاع الناشب بين قوى 14 آذار التي استضافها النائب سعد الحريري للمرة الأولى ولا يزال في قريطم، وبين قوى 8 آذار التي استضافها رئيس المجلس ذات يوم في عين التينة. بل هو يقف أيضاً عند تقاطع التجاذب السعودي ــــــ السوري، والسوري ــــــ الغربي في لبنان الذي يعبّر عنه الخلاف على موضوعي المحكمة ذات الطابع الدولي وحكومة الوحدة الوطنية.
والواضح أن الصلاحيات القليلة القليلة، الفاعلة، التي لرئيس المجلس في النظام الداخلي لمجلس النواب أرست توازن قوى في السلطة مماثلاً لتوازن قوى في الشارع تبادله كل من حزب الله وقوى 14 آذار . وتوازن القوى في السلطة أتاح لطرفي النزاع التسليم بأن لا أحد منهما ليس في وسعه حسم الصراع لمصلحته ضد الآخر ما لم يُقدم على قلب الوضع الداخلي رأساً على عقب بالسلاح أو الاغتيال أو نشر الفوضى في البلاد. تسلّح بري بالمادة 53 من الدستور التي تحصر صلاحية إحالة مشاريع القوانين على مجلس النواب برئيس الجمهورية، فرفض تسلّم مشروع المحكمة الدولية تفادياً لسابقة، وتسلّح بالمادة 33 ليتفرج على سجال لحود والغالبية النيابية التي طالبت بفتح عقد استثنائي للمجلس فرفض الأول. وتسلّح بصلاحياته المنصوص عنها في النظام الداخلي للمجلس، وخصوصاً المادة الخامسة، ليمتنع عن دعوة مجلس النواب إلى الانعقاد في ظل أمر واقع هو الشكوك التي تحيط بدستورية الحكومة، بحيث أضحى الانقسام وطنياً ومذهبياً أكثر منه حرمان الأكثرية النيابية حقها في استخدام سيطرتها على المجلس لاستكمال إمرار ما كانت قد بدأته داخل الحكومة.
وخلافاً للحود والسنيورة، إذ يرعى الدستور لهما صلاحيات قوية يقيّد بعضها جزءاً من صلاحيات الآخر، ولا سيما تلك المشتركة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، فإن الصلاحيات المنوطة ببري جعلته في منأى عن استهداف أحدهما له. ولا يكاد الدستور يمنح رئيس المجلس إلا صلاحيتين، الأولى تشكل حصانة لموقعه، والثانية تعزّز هذا الموقع كطرف مسؤول بدوره عن ضمان استمرار المؤسسات الدستورية. وفي أي من هاتين الصلاحيتين لا يملك رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو مجلس الوزراء أو الغالبية النيابية في البرلمان أن يقيّدهما. وهما:
ــــــ أن رئيس المجلس الذي ينتخب بحسب المادة 44 بالأكثرية المطلقة من النواب المقترعين، لا تطرح الثقة به لمرة واحدة بعد سنتين إلا بغالبية ثلثي أعضاء البرلمان. وسواء أشكّل هذا التمييز في نصاب الانعقاد والاقتراع ثغرة أم لا، فإن تقييد نزع الثقة برئيس المجلس أبرز حصانة أحاطت بولايته القانونية، بحيث تستمر عمر ولاية مجلس النواب المنتخب، إلا إذا كان ثمة 86 نائباً يريدون نبذه. وهو مغزى أن دور الرجل أقوى من صلاحياته.
ــــــ توجيه رئيس المجلس بحسب المادة 73 دعوة إلى المجلس للانعقاد من أجل انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة الدستورية، حتى إذا أحجم، التأم المجلس حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق نهاية ولاية رئيس الجمهورية. ومغزى هذه الصلاحية هو الوظيفة السياسية المنوطة به لتأمين حدّ أدنى من توافق الكتل النيابية على إجراء انتخابات رئاسية هادئة تسبق توجيه الدعوة، حتى إذا استخدم رئيس المجلس حقه فيها مرة ــــــ والدعوة لا توجه إلا مرة واحدة ــــــ اتفق مع النواب على تعيين موعد أو أكثر لانعقاد الجلسة والانتخاب. ومنذ انتخاب الرئيس بشارة الخوري عام 1943 إلى اليوم لم تسجل سابقة تجاهل فيها رئيس مجلس حقه الدستوري في توجيه الدعوة أو امتنع عنه. لكن ثمة أكثر من موعد لانعقاد البرلمان بناء على دعوة واحدة من رئيس المجلس أمكن تسجيلها في انتخاب الرؤساء: فؤاد شهاب عام 1958، وسليمان فرنجيه عام 1970، وبشير الجميل عام 1982، وفي وجوب انتخاب خلف للرئيس أمين الجميل عام 1988من دون أن يتمكن المجلس من الانعقاد، فوقع الفراغ الدستوري سنتذاك.