strong>عرفات حجازي


بين الأسبوع الماضي والأسبوع الحالي ثمة فارق ملحوظ في الوقائع والمعطيات سمح لكثير من المراقبين بالاستنتاج أن الوضع خطا خطوات إلى الوراء، وبات المشهد أمام أفق شبه مقفل، وأن كل شيء بات يدور في حلقة مفرغة، رغم أن عناصر الحل أصبحت معروفة وأن الفشل في تحقيقه يعني الدخول في أزمة مفتوحة على المنزلقات الخطيرة التي حذّر منها الرئيس جاك شيراك في خطابه الأخير في الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري...
ما صدر عن فريقي المعارضة والموالاة في الساعات الأخيرة من تبادل الاتهامات وتحميل بعضهما بعضاً مسؤولية عرقلة الحلول وإفشال الوساطات الإقليمية وتعطيل حركة الاتصالات الداخلية لا يدعو إلى الارتياح وإلى ترقّب مخارج وحلول سريعة رغم تسريبات تعمّدها زعيم الأغلبية النيابية سعد الحريري بأنه مطمئن رغم التصعيد بأن الفرج بات قريباً، ورد عضو كتلة التنمية والتحري علي حسن خليل بأن الكلام الإيجابي الذي أوحى به الحريري «يجعلنا نأمل الوصول إلى حل وسنكون إيجابيين ومنفتحين على النقاش واستعادة خيوط الحوار لإنجاح المبادرة التي كنا بصدد البحث في تفاصيلها وعلى قاعدة التلازم بين الحكومة والمحكمة وترتكز إلى نقطتين أساسيتين، إقرار المحكمة بعد تعديلات تدرسها لجنة حقوقية من الطرفين وحكومة وحدة على قاعدة 19 ــ 11».
ورغم هذه التطمينات الكلامية العابرة فإن أخذ الأمور على ظواهرها يفضي إلى الاستنتاج بأننا الأمور تتجه إلى أزمة كبرى وربما إلى عصيان مدني لوّحت به أطراف المعارضة إذا بقيت حال الاستعصاء قائمة، وهذا ما حذّر منه الرئيس نبيه بري الذي ما زال يعطي فرصاً للمعالجة ويراهن على حتمية التفاهم وحاجة الكل إلى تسوية، حيث لا مصلحة لأحد بأخذ الوضع في اتجاه الانفجار. والثغرة المتاحة للاختراق وسط هذا الغبار السياسي ورفع نبرة التصعيد هي ثغرة التوافق على المبادرة المتوازنة والمدروسة التي طرحها الرئيس بري بالتنسيق مع السفير السعودي عبد العزيز الخوجة، وبدأ في شأنها النقاش من خلال حلقة اتصال بين بري والحريري وتوصلت إلى مرحلة متقدمة جداً، وكان يؤمل أن توضع اللمسات الأخيرة عليها في لقاء بينهما، لكن الأمور عادت إلى المربع الأول بعدما رفضت أطراف في الأكثرية اقتراح المشاركة الفعلية بصيغة 19 + 11، ما دفع برئيس المجلس إلى تأكيد أنه سيعطي فرصة أخيرة تنتهي أواخر الشهر الجاري لمزيد من محاولات التغلب على سياسة المكابرة التي يمارسها بعض فريق السلطة، وإلا فإنه سيجد نفسه مضطراً إلى قول ما يجب أن يقال ويضع النقاط على الحروف مسمّياً الأشياء بأسمائها لأن من حق الرأي العام أن يطّلع على الحقائق ويعرف من هي الجهات التي تمعن في إسقاط التسويات كلما اقتربت من نهاياتها وتضع العراقيل في وجه الوساطات والمبادرات للخروج من المأزق.
وإذا كان بري قد أحجم في الماضي عن الكلام معتصماً بالصمت، فمردّ ذلك إلى حرصه على المصلحة الوطنية، إلّا أنّ كيل الرجل طفح ما فيه الكفاية وقدرته على الصبر والاحتمال نفدت، ومن غير الجائز المجازفة بتحمّل المزيد من قلب الحقائق والانقلاب على التفاهمات وتزوير الوقائع ورمي الافتراءات وضخ الشكوك بموقعه ودوره ووضعه في دائرة الشبهات، وهو الذي تحمّل الكثير من ملاحظات حلفائه في المعارضة وعتبهم لمبالغته في التعاطي المرن مع الأكثرية وإصراره على إبقاء خيوط التواصل قائمة بين الفريقين متجاوزاً كل التوترات والسقوف السياسية العالية عند فريق 14 آذار مصرّاً على أن يبقى صمام الأمان والإطفائي الجاهز لإخماد الحرائق وتوليد الحلول والصيغ التوفيقية.
لكن المشكلة كما يراها بري أن بعض أركان الأكثرية يغمضون عيونهم عن رؤية الحقائق على الأرض ولا يتحسّسون خطورة مفاعيل التعبئة والشحن في الشوارع المتقابلة الأمر الذي يستدعي احتواء الوضع قبل حصول الكارثة، ويأخذ على هؤلاء «الذين لا يجدون أنفسهم خارج الخلافات والانقسامات» استخفافهم بالتحذيرات التي أطلقها منذ دعوته لمؤتمر الحوار مطلع آذار الماضي، وجاءت الوقائع لتؤكد صوابية ما كان يحذّر منه. وهو إذ يطلق تحذيره الأخير من مغبّة الوصول إلى خيار العصيان المدني فإنما ينبّه فريق السلطة إلى التداعيات التي يمكن أن تنتج من هذه الخطوة ويحثه على الانفتاح على مطالب المعارضة جازماً بأن لا حل خارج الحدود الدنيا التي تطالب بها وهي صيغة حكومة الوحدة الوطنية.
ورغم القنص السياسي الذي يمارسه بعض أطراف قوى 14 آذار على الوساطات والمبادرات الداخلية والخارجية، فإن هناك بصيص ضوء لإحداث اختراق في جدار الأزمة السياسية، وهذا ما توقعه الداعية فتحي يكن.
وفي انعكاس للمنحى نفسه كشفت مصادر دبلوماسية عن تسوية يعمل عليها بعيداً من الأضواء وتحتاج إلى تنازلات متبادلة من الطرفين، وليس بعيداً عن هذه التوقعات ما نقله السفير الإسباني عن النائب الحريري أمس ووثوقه بأن المسعى الإيراني ــ السعودي سيعطي نتائج طيبة في المستقبل، وأنه ما زال يرى فسحة للمناورة والتوصل إلى اتفاق في المستقبل.
ووسط هذه الأجواء التي تتضارب فيها التوقعات بشأن احتمالات الأيام المقبلة لم يسجل أي تحرك على قناة الاتصال المفتوحة بين مساعدي بري والحريري وإن كانت المعلومات تفيد أن الخوجة يمهّد باتصالات هادئة لجمع الرجلين بعد أن يطمئن إلى أن فريقي السلطة والمعارضة سلّما بالقاعدة المزدوجة للحل، أي التوازن والتلازم بين إقرار المحكمة الدولية وتأليف حكومة الوحدة الوطنية.