نقولا ناصيف


على أكثر من خط أزمات مفتوحة، تتوزّع الدبلوماسية السعودية. في العراق وفلسطين ولبنان. كذلك على خط الحوار مع إيران، وسعياً إلى إنجاح القمة العربية التي ستعقد في الرياض نهاية هذا الشهر. أكثر من أي دولة عربية أخرى، أضحى العرش السعودي عند تقاطع الصراعات الإقليمية والدولية في المنطقة، في قلب مشكلاتها وحلولها في آن واحد، لأسباب يتصل بعضها بمتاخمة هذه الصراعات حدود المملكة، والبعض الآخر بالحؤول دون تعرّضها وأمن الخليج العربي لخطر الفوضى وانتقال الاشتباك السني ــــــ الشيعي إليهما، والبعض الثالث بسبب عودة الحرب الباردة إلى هذه المنطقة تحت وطأة الخلافات الأميركية ــــــ الإيرانية.
يفضي ذلك إلى سلسلة معطيات يوردها تقرير دبلوماسي أميركي آخذاً بأمرين: أحدهما هو أن التحركات الدبلوماسية السعودية استرعت انتباه واشنطن من غير أن تتطابق نتائج هذه التحركات كلها مع الجدوى التي ترتقبها منها الإدارة الأميركية، والآخر ما يصفه التقرير بـ«دبلوماسية بندر» نسبة إلى رئيس مجلس الأمن الوطني السعودي الأمير بندر بن سلطان الذي يزور واشنطن بانتظام، ويطلع إدارة الرئيس جورج بوش على ما تقوم به المملكة لدعم الاستقرار في المنطقة.
وبحسب المعطيات التي يسردها التقرير عن مسار الدبلوماسية السعودية، تلحظ محاور الأخيرة ما يأتي:
1 ــــــ تتلقى الرياض باستمرار مديحاً أميركياً لمثابرتها على دعم الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة، وتعزيز نفوذ ما يسميه التقرير «القيادة السنية في لبنان»، وبذل جهود دؤوبة لردع التحدي الذي يمثله حزب الله بسعيه إلى «طرد» حكومة السنيورة وإسقاطها بتحركات شعبية وتظاهرات. ويستند التقرير أيضاً إلى تحليل مراقبين وأصحاب خبرات شرق أوسطية في واشنطن ليقول إن حزب الله، بعدما اجتذب إعجاب الشارع العربي إبان حرب 12 تموز الصيف الفائت، يخسر اليوم هذا التأييد بفضل ثلاثة اضطلعوا بأدوار متشابهة في نتائجها توصلاً إلى هدف إضعاف شعبية الحزب: ثنائي لبناني هو السنيورة ورئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط، والثالث هو الأمير بندر.
ويعزو التقرير قسطاً من أسباب الدعم السعودي للحكومة اللبنانية إلى أن رئيسها السني يواجه الصعود المتزايد للشيعة في الحكم والشارع، وقد بات لبنان جزءاً من قلق عام في العالم العربي يدفع إلى المواجهة بعدما سيطر الشيعة على الحكم في العراق، الأمر الذي ضاعف المخاوف من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، وأسبغ عليه طابعاً عدائياً. ويستشهد التقرير بعبارة لمسؤول في الخارجية الأميركية هي أن «صورة إعدام صدام حسين سجنت قلوب السعوديين وعقولهم»، في إشارة إلى إعدام زعيم عربي سني على يد سلطة شيعية.
2 ــــــ يعتقد مسؤولون أميركيون أن العاهل السعودي الملك عبد الله والرئيس المصري حسني مبارك مصممان على ردع الطموح السوري في لبنان، ويميلان إلى تلقين الرئيس السوري بشار الأسد درساً جراء كلام كان قد ساقه قبل أشهر ضد بعض الزعماء العرب على نحو وجد فيه العاهل السعودي إهانة شخصية له. كذلك تأخذ الرياض والقاهرة على دمشق ترجيحها في السنوات المنصرمة الكفة الشيعية على تلك السنية، وإرساءها في لبنان توازناً سياسياً أضعف السنة اللبنانيين. تالياً، بحسب ما يورده التقرير الدبلوماسي عن المسؤولين الأميركيين أنفسهم، فإن الرياض، إذ تفاوض إيران لترتيبات استيعاب حزب الله وقوته في المعادلة الداخلية اللبنانية من دون انقلابه أو سيطرته عليها، تريد الحوار مع إيران والحزب دون المرور بسوريا ولا إعطائها أي مكسب سياسي جديد في الوضع اللبناني الناشئ منذ الانتخابات النيابية عام 2005. وحجم الغضب الذي يعبّر عنه السعوديون يجعلهم يستمرون في بذل جهود عزل سوريا، رغم حاجتهم الضمنية إلى حضورها القمة العربية.
3 ــــ النشاط الظاهر للدبلوماسية السعودية في فلسطين هو محاولتها وقف أي نزاع مسلح بين «فتح» و«حماس»، ووضع اتفاق مكة موضع التنفيذ، مع أن الإدارة الأميركية لم ترحب به، ولا ترى، بحسب مسؤول في الخارجية الأميركية، أنه يؤدي إلى إحراز تقدم في مسار السلام بين الطرفين، أو أنه يحقق التسوية المناسبة. وتدافع الدبلوماسية السعودية بحسب التقرير عن اتفاق مكة لتحقيق حكومة الوحدة الوطنية بأن المملكة لا تستطيع التسامح حيال اقتتال فلسطيني، فضلاً عن أن ذلك يؤدي إلى تدخّل طهران في الشؤون الفلسطينية، إلى جانب حماس.
على أن التقرير الدبلوماسي الأميركي يلحظ ما عدّه انتقاداً لاتفاق مكة لكونه أعِد وصيغ في دمشق في الاجتماعات التي عقدها الرئيس السوري مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وأن الأسد وافق على تجيير مخرج الاتفاق ومظاهره الاحتفالية إلى العاهل السعودي. وتبعاً للاستنتاجات التي يوردها التقرير الأميركي، فإن ما يهم القاهرة هو إدراك حماس أن ما تقوم به ينبغي أن تعلم به مصر سلفاً نظراً إلى أن قوة حماس هي في غزة، التي تشكل وفق المصريين امتداداً للإخوان المسلمين في مصر. كذلك فإن ما تمثله غزة لمصر هو ما يمثله الخليج العربي للسعودية على مستوى المصالح والاهتمام والرعاية والمرجعية، الأمر الذي يجعل المصريين مصرّين على معرفة ما يحصل.
4 ــــــ لا تحتاج المملكة إلى تبرير حجتها القائلة بأنها، شأن دول عربية أخرى، لا تدعم تماماً الجهود الأميركية في العراق التي لم تفضِ إلى عودة الاستقرار إليه. لكن هذا الموقف لا يحجب في المقابل آمالاً تعقدها الرياض على سعي الإدارة الأميركية إلى إنهاء الصراع المذهبي. ويرى مسؤولون في الخارجية الأميركية، تبعاً للتقرير نفسه، أن المملكة لا تنفك تذكّر إدارة بوش بنصائح سابقة كانت قد أسدتها إليها وعبّرت فيها عن تحفظها حيال احتلال العراق، وفي ما بعد عن حلّ الجيش العراقي. على أن الأميركيين لم يجدوا في النصائح تلك سوى مظاهر يأس أكثر منها غضباً. ويلخص أحد السفراء العرب في واشنطن، على ما ينسب إليه التقرير الدبلوماسي، الموقف السعودي بأن «وجود أميركا في المنطقة سيؤدي إلى نشر الفوضى وهدم كل شيء قبل أن تتركها وترحل».
ويبدو، وفق ما يستخلصه التقرير أيضاً، أن عدداً من المطلعين في واشنطن يتفقون مع مثل هذه «النبوءة». بدورهم غلاة المتفائلين يقرون بأن أي تقدم في العراق بطيء، في حين أن الفشل سريع.