«مش محسوبة يا جوزف». بعد أن كانت مقالتك الزاد اليومي ونقطة ثابتة في جدول الأعمال وخطاً أحمر، كنت أمس مالئ الدنيا وشاغل الناس. ذهول ودموع لم تجف، تبكي الصديق والرفيق والمفكر والزميل، كانت لحظات نقابة الصحافة ومكاتب «الأخبار» تشهد على تلاقي الأصدقاء والخصوم في وداعك، وكأنك حملت أسى لبنان بقلبك وتركتهم يلتقون ويستذكرونك بدل نقاش مقالاتك وأفكارك. «خسارة لا تعوض». لعلها الجملة التي كانت الأكثر تناقلاً على ألسنة المعزين في صالون دار نقابة الصحافة برحيلك. الخبر الذي لم يصدقه كثيرون أول من أمس بات حقيقة واقعة أمس، والذهول كان مرتسماً على كل الوجوه. رحل جوزف. السجل حمل تواقيع الكثيرين، والعزاء لم ينحصر بالشخصيات الرسمية، بل حضر قراء ومتابعون وطلاب لم يعرفوا جوزف سماحة يوماً ولا شاهدوا له صورة من قبل. كانت عيونهم جميعاً تسأل: «هل رحل جوزف فعلاً»!



ممثّلان للحود وبرّي ووزراء ونواب ووفود دبلوماسية وحزبية وإعلامية عزّوا في نقابة الصحافة

غصّت يوم أمس، نقابة الصحافة بمئات المعزّين برحيل الزميل جوزف سماحة، إضافة إلى مئات البرقيات والاتصالات المعزية من أحزاب ونواب ووزراء وشخصيات ثقافية وفكرية وإعلامية واجتماعية.
تقبّل التعازي قبل الظهر وبعده النقيب محمد البعلبكي، أمين صندوق نقابة المحررين جوزف قصيفي وأعضاء مجلس النقابة ممثلين عن النقيب ملحم كرم لوجوده خارج لبنان، الوزير السابق ميشال سماحة، رئيس مجلس الإدارة في «الأخبار» ابراهيم الأمين وأسرة الجريدة وعائلة الفقيد.
وأبرز المعزين: ممثل رئيس الجمهورية العماد اميل لحود المستشار الاعلامي لرئاسة الجمهورية رفيق شلالا، والنائب علي حسن خليل ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، الرئيسان السابقان حسين الحسيني ورشيد الصلح، وزراء الإعلام غازي العريضي والثقافة طارق متري والعدل شارل رزق، والوزراء المستقيلون فوزي صلوخ وطراد حمادة ويعقوب الصراف، وملحم رياشي ممثلاً نائب رئيس مجلس الوزراء الياس المرّ. ومثل العماد ميشال عون وفد ضم النواب ادغار معلوف ونبيل نقولا وعباس هاشم، رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» محمد رعد، رئيس الكتلة الشعبية ايلي سكاف، النواب: بطرس حرب، حسن فضل الله، علي عمار، باسم السبع، أمين شري، مروان فارس، ناصر نصرالله، غسان مخيبر، غازي زعيتر، أسعد حردان، محمد قباني، أسامة سعد، سليم عون، أيّوب حميّد، روبير غانم، والوزراء السابقون: عصام نعمان، محمود حمود، وديع الخازن، علي قانصو على رأس وفد من الحزب السوري القومي الاجتماعي، فايز شكر، عدنان عضوم، ناجي البستاني، بشارة مرهج، فايز شكر، زاهر الخطيب، الفضل شلق، بشارة مرهج، محمد عبد الحميد بيضون، ميشال إده، كرم كرم، والنواب السابقون: نجاح واكيم، صلاح الحركه، عدنان طرابلسي، حسن علوية، باسم يموت، نسيب لحّود على رأس وفد من حركة التجدد الديموقراطي، محمد برجاوي، عبد الله قصير، مروان أبو فاضل، حبيب صادق، طلال المرعبي، بهاء الدين عيتاني، الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري نصري خوري، وممثل قائد الجيش العميد الركن صالح الحاج سليمان، المدير العام لوزارة الإعلام حسان فلحة، المدير العام لوزارة المغتربين هيثم جمعة، المدير العام لوزارة المال ألان بيفاني، المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود، مسؤول العلاقات الدولية في مجلس النواب بلال شرارة.
وحضر أيضاً السفير المصري حسين ضرار، سفير المغرب علي أومليل، سفير منظمة التحرير الفلسطينية عباس زكي، وفد من السفارة الايرانية، الأمين العام للسلك الدبلوماسي جوزف حبيس، سفير لبنان المعين في نيويورك نواف سلام، السفير السابق سيمون كرم. المستشار السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، السيد علي فضل الله ممثلاً السيد محمد حسين فضل الله، نائب الأمين العام للحزب الشيوعي سعد الله مزرعاني على رأس وفد من الحزب، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم، وفد من الجماعة الاسلامية برئاسة أسعد هرموش وحسين حمادة، وفد من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، رئيس حزب التضامن اميل رحمة، الأمين العام للحزب الديموقراطي الشعبي نزيه حمزة، وفد من المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين برئاسة مروان عبد العال، وفد من الحزب الديموقراطي اللبناني برئاسة زياد شويري، وفد من تجمّع العلماء المسلمين، رئيس حركة اليسار الديموقراطي زياد عبد الصمد، رئيس حزب الحوار الوطني فؤاد مخزومي، وفد من جمعية المشاريع الخيرية برئاسة الشيخ عبدالقادر الفاكهاني، وفد من حركة حماس، وفد حركة الناصريين المستقلين ـ المرابطون، رئيس بلدية صيدا الدكتور عبد الرحمن البزري، نقيب الأطباء ماريو عون والنقيب السابق محمود شقير، الدكتور كمال حمدان، السيد هاني فحص، وفد الاتحاد الكاثوليكي للإعلام، وفد تجمع 11 آذار برئاسة مرعي أبو مرعي، سايد فرنجية، العميد أمين حطيط، العميد الياس فرحات، وفد من لجنة الحوار الإسلامي ـ المسيحي، وفد من المكتب التربوي لـ«أمل» ووفد من «حزب الله»، وفد الجامعة الثقافية في العالم، وفد من الفصائل الفلسطينية وفد اتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني، ووفد من قطاع الشباب والطلاب في حركة الشعب، ووفود وشخصيات.
وحضر أيضاً منح الصلح، شوقي بزيع، جورج بطل، طلال حيدر، المستشار الاعلامي لرئيس الحكومة عارف العبد، مدير مكتب «الجزيرة» في لبنان الزميل غسان بن جدو على رأس وفد من المكتب، رئيس تحرير جريدة «السفير» الزميل طلال سلمان على رأس وفد من الجريدة، وفد من قناة «العالم»، وفد من جريدة النهار، رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للارسال بيار الضاهر، الاعلامي مارسيل غانم، المسؤول الاعلامي في التيار الوطني الحر أنطوان نصر الله، ابراهيم الحلبي على رأس وفد من تلفزيون الـ NTV، النقابي محمد قاسم، رئيس تحرير مجلة «الأفكار» وليد عوض، وفد كلية الإعلام برئاسة مدير الفرع الأول الدكتور عماد بشير، مدير معهد العلوم الاجتماعية الدكتور طلال عتريسي، مفوّض الإعلام في الحزب التقدمي الاشتراكي رامي الريس، مديــر الوكالة الوطنية للإعلام أندريه قصاص، رئيس الجامعة اللبنانية السابق ابراهيم قبيسي. واتصل الرئيس أمين الجميل معزياً ومعتبراً خسارة «الراحل خسارة لنا جميعاً». كما اتصل معزياً كل من السفير السعودي عبدالعزيز الخوجة ورئيس تحرير «النهار» غسان تويني الموجود في باريس.
برقيات تعزية
ونعى المؤتمر القومي العربي الزميل سماحة، عضو المؤتمر منذ عام 1996. وجاء في النعي: «تميّز جوزف سماحة بجرأته والتزامه ومعرفته وكتاباته الغنية بالمعلومات الدقيقة، والتحليلات العميقة، والاستشرافات الصحيحة».
كما نعى الحزب الشيوعي «الرفيق جوزيف سماحة»، ببيان رأى فيه أن «الراحل جمع بسيرته وشخصه وقلمه سلسلة معاني أبرزها، الالتزام والمضي في الكفاح، حين تراجع من كانوا أكثر ادعاءً بالارتباط بقضايا التحرير والتقدم والتغيير والديموقراطية، كما المثابرة على التفتيش عن الصيغ النضالية والسياسية والتنظيمية المناسبة والمتجددة». بدوره أبرق وزير الخارجية السوري وليد المعلم معزياً. كما أبرق وزير الإعلام السوري محسن بلال منوهاً بمناقب الفقيد الذي «استطاع مواجهة قضية مصير الشعب والأرض العربية بالكلمة الإعلامية والثقافة والوجدان الانساني الصادق».
كما أبرقت شخصيات عدة معزية، أبرزها: الرئيس حسين الحسيني، النائبان قاسم هاشم وعاطف مجدلاني، الوزير السابق عبدالرحيم مراد، السفير الياباني يوشيهيشا كورودا، السفارة المصرية، سفارة لبنان في بولندا، حزب الاتحاد، حركة التجدد الديموقراطي، رئيس تجمع «الإصلاح والتقدم» خالد الداعوق، جبهة العمل الإسلامي، المكتب الاعلامي المركزي لحركة أمل، رئيس هيئة علماء جبل عامل الشيخ عفيف النابلسي، شقيقا الشهيد جورج حاوي بهيج ونبيل حاوي، السكرتير العام للتجمع الوطني الديموقراطي في الناصرة عوض عبد الفتاح، نادي الصحافة العربية في باريس، قاسم علي الكفارنة رئيس مجلس إدارة وكالة أنباء رامتان ومدراء فروعها في فلسطين والكويت واليمن والسودان ومصر، المدير الإقليمي السابق لوكالة «نوفوستي» للأنباء في الشرق الأوسط والمستشار الحالي للمدير العام للوكالة قسطنطين مكسيموف، مراسل صحيفة «غارديان» البريطانية ديفيد هيرست، مراسل لبنان والشرق الأوسط لصحيفة «واشنطن بوست» أنطوني شديد، رئيس تحرير جريدة «السياسي» (أوستراليا)، الحركة الثقافية - انطلياس، الجمعية الكردية اللبنانية الخيرية، الصليب الأحمر اللبناني، بيت التمويل العربي، بلدية الغبيري، الوكالة العربية للأنباء «سانا»، اتحاد المقعدين اللبنانيين، قناة العالم الفضائية، هيئة علماء بيروت، الهيئة الصحية الاسلامية، جمعية محترف الفن التشكيلي، جامعة هايكازيان، الجامعة اللبنانية الدولية، المنظمة العربية لمكافحة الفساد، عضو الأمانة العامة لمنبر الوحدة الوطنية محمد نديم الملاح، قناة الجزيرة، الشبكة الوطنية للارسال NBN، ومحترف راشيا، جمعية تنظيم الأسرة، نقابة ممثلي المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون، عضو نقابة الفنانين وليد أبو الحسن، جمعية خريجي المقاصد الإسلامية، مؤسسة القدس، جمعية بيروت ماراتون، صحيفة قاسيون، إذاعة صوت فان، تجمّع الأطباء في لبنان، منظمة العفو الدولية، المنظمة العربية لمكافحة الفساد المؤتمر القومي العربي، جمعية أبناء الوطن الاجتماعية (أوج).
وأمت مكتب «الأخبار» في شتورا وفود وشخصيات بقاعية، سياسية واجتماعية وثقافية، كما تلقى المكتب سلسلة من الاتصالات الهاتفية من قيادات حزبية وسياسية وامنية وقضائية ونقابية وعمالية وزراعية ومن رؤساء بلديات ومخاتير ورؤساء اندية ثقافية ورياضية، واساتذة في الجامعة اللبنانية ـ الفرع الرابع، اضافة الى عدد من الزملاء المراسلين الصحافيين في منطقة البقاع.
ومساء امس زار مكتب «الاخبار» في شتورا عدد من العاملين في القطاع الصحي والدفاع المدني في البقاع الاوسط والغربي، اضافة الى عدد من الأطباء والمحامين والمهندسين في شتورا وزحلة وبعلبك. كما زار المكتب معزياً عدد من قراء «الأخبار» في مختلف مناطق البقاع.



حداد في «صوت الشعب» وحوارات في «نيو. تي. في»

رنا حايك
“الإذاعات لا تعلن الحداد على صحافي. هي عادة غير متبعة، لكن جوزف سماحة كان استثناءً لأنه هو استثنائي”. هذا ما أجاب به مدير البرامج في إذاعة صوت الشعب رضوان حمزة عند سؤاله عن الحداد الذي أعلنته الإذاعة منذ أول من أمس والذي لا يزال مستمراً. فقد أفرد أثير إذاعة صوت الشعب فضاءه منذ إعلان خبر الوفاة للموسيقى الكلاسيكية. فهذه المرة “حدا مات” بالفعل. وليس أي أحد، ففقدانه “خسارة وطنية فادحة” كما يقول حمزة.
استهلّت الإذاعة يومها بتخصيص البرنامج الإخباري الصباحي لتحية جوزف. تلقائياً ودون إعداد مسبق، تمّ الاتصال بالزملاء ورفقاء الدرب والرموز الثقافية والسياسية لسماع شهاداتهم. “اللي بيحبوه بيحبوه لدرجة إنو معظمهن ما قدر يحكي” يقول فراس خليفة، معدّ البرنامج الصباحي ومقدّمه. “كان من المتوقّع أن نستمع إلى شهادات المزيد من الأشخاص”، لكن الكثيرين اعتذروا وقالوا إن الكلمات تخونهم. أما من غامر وسيطر على قدرته على التعبير، فقد خانته دموعه. كانت هذه حال الزميل جورج ناصيف من جريدة النهار وحال نائب الأمين العام للحزب الشيوعي سعد الله مزرعاني. تخلّلت البرنامج الصباحي تلاوة للمقالات التي كتبها زملاء جوزف في رثائه، وإضاءات على سيرته وأهم المحطات فيها.
افتتاحية جوزف غابت اليوم عن فقرة أقوال الصحف في البرنامج لتترك المجال لافتتاحيات وداعه، كان اسمه “أساسياً” في الفقرة التي ستصبح “ناقصة من الآن فصاعداً” كما يقول خليفة. يعبّر عن ندمه لأنه لم يصرّ على ذلك اللقاء الذي رفضه جوزف. كان يريد استضافته في فقرة “رأي في السياسة” ضمن برنامجه الصباحي، لكن جوزف اعتذر كعادته في التمنّع عن أي إطلالة إعلامية. “لم نلحّ عليه كفاية، راهنّا على الوقت. ولم نتوقّع أن يغدرنا الوقت هكذا”.
“حدا مات” والموسيقى الكلاسيكية تستمر في الانسياب عبر الأثير حتى يحين موعد برنامج “إشكاليات” الذي يستهله المذيع بهذه الكلمات: “نبدأ من غياب داهم الصحافة والوطن، غياب القلم الجميل من دون موعد ومن دون حقيبة سفر”. ويناقش خلاله ضيفيه الشاعرين جوزيف حرب وهنري زغيب مسيرة جوزف الصحافي والإنسان. يؤكّد هنري زغيب “أن هناك بشراً يموتون وهم أحياء، وهناك آخرون يموتون عندما يموتون. أما أهل القلم، وجوزف منهم، فلا يموتون. بل يبقون أقلاماً مضيئة ولو مات الجسد”.
محطة “نيو. تي. في” احتفت بجوزف أيضاً وودّعته على طريقتها. فقد خصّصت يوم أمس برنامجها الصباحي “الحدث” لتكريمه. فاستضافت المذيعة كاترين حنا في الاستديو زميل جوزف وصديقه الصحافي طوني فرنسيس (جريدة “الحياة”) الذي تحدث عن جوزف الصحافي والإنسان الذي كان يعرف كيف يحافظ على علاقاته مع العاملين في مؤسسة إعلامية يغادرها.
وقد تلقّت حنا خلال البرنامج اتصالاً من وزير الإعلام غازي العريضي الذي أكّد على مهنية الراحل، وصدقيته في نقل الأخبار. كما أشار إلى أنه رغم اختلاف الرؤية بينهما في الأمور السياسية، إلا أن تعامل جوزف مع الآخر المختلف كان راقياً. أما جورج ناصيف (جريدة “النهار”)، فقد أشاد بموضوعية الفقيد، فرغم “أنه ينتسب إلى جريدة تتبع خطاً معيناً، إلا أنه كان يبقى في كتاباته على مسافة من الجميع”.
أكّد الصحافيان فرنسيس وناصيف أنهما كانا يشعران دوماً بأن سماحة معلّمهما رغم أنه ينتمي للجيل نفسه الذي ينتميان إليه.
إلى جانب هذه الشهادات، عرض البرنامج أبرز محطات الفقيد المهنية والسياسية، كما قرأت المذيعة مقتطفات مما كتبته الصحف اللبنانية في وداعه.


لا أريد أن أصدّق هذا الخبر

بيسان طي

إليك أكتب جوزف، لا عنك، الكلمات تافهة، لا تعرف كيف تصفك، لا أحسّ بها.
إليك أكتب، وللمرة الأولى أحتاج إلى وسيط لأطرح عليك أسئلتي، لأعلن غضبي وأملي، تخيّل أنا لا أدخل إلى مكتبك لأحكي، صرت في حاجة إلى ورقة.
جوزف، أليس هذا رحيلاً مبكراً؟ يوم تحدّثنا عن الجريدة لم تقل إن الرحلة قصيرة، قلت عنها كل شيء إلا غيابك.
جوزف، كنت تردد أنه يصعب عليك أن تصدّق رحيل أصدقائك، وأنا الآن أسألك: كيف تريدنا أن نصدق رحيلك أنت؟
كنت كلما حدثتك عن خبر ترد «يجب أن تأتي بالوثيقة وإن كنا متأكدين من الخبر». وأنا الآن أسألك أن تحمل الوثيقة لأصدق هذا الخبر. عد إلينا يا جوزف، ثمة كلام كثير وأسئلة كثيرة، لن أطيل، جلسة واحدة، سأجمع فيها كل ما أريد أن أقوله، فلا تبخل بهذه الجلسة، احمل الوثيقة لأصدّق الخبر، سأعرف حينها أن الفرصة لم تعد متاحة، سألقي آخر تحية وآخر كلام، ولن أعاتبك بعدها.
لن أتشكك بعدها في هذا الخبر.
أتعرف أني أخيراً انتبهت إلى الصورة على مكتبك، صورة جمال عبد الناصر، أشعر بزهو، بسعادة، وأنا أستعيد كلماتك يوم حملتها إليك في «السفير»، قلت لي إنها أجمل هدية، وأنا أريد أن أصدق أنها كذلك، لم أنتبه أنك كنت تضعها في أقرب مكان إلى قلبك. سأبوح لك الآن بسر، كنت كلما هاجم أحدهم عبد الناصر أجيبه: إذا كان جوزف سماحة يحبه، ألا يقنعك هذا بأنه كان قائداً رائعاً؟ هل كانت إجابتي طفولية؟ والآن كيف أردّ؟
أنا أهذي، لكن هل تسمح لي أخيراً بأن أناديك يا أستاذي؟ أتسمح بأن أقول لك إني أحتجّ على هذا الغياب، وأرفضه؟ كلها كلمات فارغة وأنا أهذي، أحتاج لشيء من الرويّة. جوزف، سآخذ صمتك النبيل وأحفظه في قلبي.




«أنظر، إنّه الأستاذ جوزف»

نادر فوز

كانت الذكرى الثانية والعشرين لإطلاق جبهة المقاومة الوطنية. وقف مع بعض «الرفاق» في الصفوف الأخيرة للتجمّع عند صيدلية بسترس. «انظر، إنه الأستاذ جوزف سماحة»، يقول أحدهم. لم أكن أعرف مظهره، ففاجأني بقامته المديدة وهدوئه الغريب. بدا فرحاً وهو ينظر إلى الأعلام الحمراء، بدا مستلذّاً بسماع الأناشيد الثورية.
«يعطيك العافية أستاذ»، بضع كلمات انسلّت في وجهه. ردّه المزيّن بابتسامة كان سريعاً «يعطيكم العافية أنتم».
«اللقاء» الثاني كان بعد أكثر من سنتين، في ندوة لاتحاد الشباب الديموقراطي اللبناني. كانت القاعة في «مار الياس» مكتظّةً على غير عادة. الجميع بانتظار مجيء الأستاذ. لقد حضر، تحدّث عن التحضيرات القائمة وقتها لإصدار «الأخبار»، وعن تركيبتها وقسم من العاملين فيها، ثم بدأ الحديث عن الوضع السياسي العام. انتهى اللقاء. لكن سؤاله عن كيفية تقديم السير الذاتية وإظهار اهتمامنا بـ«المشروع الجديد» كطلاب في كلية الإعلام أجبراه على البقاء وقتاً أطول، فمنحنا فرصةً للجلوس معه على طاولة واحدة.
ظل جالساً، إلى أن سأل بخجل «حدا من الشباب معه سيارة؟». انصرف تاركاً فرحةً في قلوبنا: بعد أقل من أسبوع سنجتمع به مرّة جديدةً. مرّت أربعة أيام، ثمّ استضافنا في مكتبه في وسط بيروت. تسلّم منّا السير الذاتية، وأمل أن نتّصل به بعد فترة لتحديد موعد جديد. جرى لقاء آخر. وبعد أشهر قليلة انضممنا إلى أسرة «الأخبار».
كانت رؤيته كل صباح أمراً ضرورياً، ولو لم يتسنّ لنا دائماً إلقاء التحية عليه. كان مكتبه مفتوحاً أمام الجميع، وسيظل كذلك. إنه قضاء وقدر، رحل الأستاذ وتركنا أيتاماً؛ من سنسأل بعد اليوم، من سنقرأ بعد اليوم، من سيشرح لنا الأمور ويحلّلها، بمن سنستشهد...؟
قالوا إنه كان يتمتّع «بقدر عالٍ من المهنية في عملية اختيار وتدريب المواهب الشابة، وتحويل هذه المواهب الى مُحلّلين ومحرّرين مميّزين». لم يحالفنا الحظ كثيراً، غادر الأستاذ، ولم نعرف ما إذا كنا مواهب شابة ليختارنا ويدرّبنا. ولم يحالفنا الحظ أيضاً لنتعرّف عليه أكثر.




سأبقى منتظراً

إيلي شلهوب

ما كانت الظلمة يوماً بهذا السواد. ولا الحزن بهذه المرارة.
تركتنا لأيام. قلت: لن أطيل البقاء. هاتفتني الجمعة. كنت ممتعضاً. شركة السفر لم تلبّ طلبك بالعودة السبت. طالبتني بالعمل على تغييرها لضمان استئناف نشاطك في «الأخبار» الاثنين. كنا على الموعد. أنت من تخلّف عنه.
غدرت بنا، بلا استئذان. أو لعلّنا غدرنا بك. أثقلنا عليك حتى الانهيار. رميناك بهمومنا. أقحمناك في كل صغيرة وكبيرة. حمّلناك أكثر مما يحتمله جبل. لم نرحمك، ... فلم ترأف بنا.
ما خذلتنا يوماً. كنت على الدوام خير صديق. تستمع بلا كلل. تضبط إيقاع انفعالاتنا بهدوء يقارب الصمت. تعبث بعقولنا. ترمي فيها الشكّ، وتدلّنا على طريق اليقين. تواجه غضبنا بنظرة. وتعبنا بضحكة. وتكاسلنا بابتسامة... فماذا استجدّ حتى تنزل فينا هذا العقاب؟
لن تقنعنا أي من إجاباتك؛ وحدتك الدائمة رافقتك منذ الأزل. مآسي الماضي لم تنل منك يوماً. رؤيتك السوداوية لقادم الأيام ما كانت إلا لتزيدك إصراراً، كعادتك دوماً، على المواجهة.
لعل تقرير الأطباء الأقرب إلى الحقيقة: قلب كبير طاف بما يحمل... فصمت. قد نكون بحاجة إلى إجابة كهذه نعزّي بها أنفسنا.
لكن، لا تعتقد أبداً بأنك أفلتّ منا. كلماتك سترنّ في آذاننا أبداً. وحروفك نُقشت في عقولنا، ولن يمحوها دهر.
أما أنا، فسأمرّ بك يومياً، كالعادة، بين الخامسة والسادسة مساءً. نتبادل أطراف الحديث. تسألني: شو في اليوم؟ فأجيبك. تسحب عن الطاولة أمامك أوراقاً أتعبت عينيك طوال النهار، وتنصحني بقراءتها. وسأعود إليك بين العاشرة والحادية عشرة ليلاً. أجلس إلى جانبك على الكنبة السوداء. أسألك بدوري: شو في اليوم؟ فتجيبني بما حملت الساحة الداخلية من تطورات، رغم التعب الظاهر على محيّاك.
وسأنتظرك لتمر بي في مكتبي تلفت انتباهي إلى حدث ما، أو تقرير نشر في إحدى المطبوعات. أعرف أني سأطيل الانتظار... لكني على يقين بأنك ستفعل.




لمن نشكو أمرنا؟

ابراهيم عوض

لم أكن أعرف الأستاذ جوزف شخصياً قبل انضمامي إلى «الأخبار»، وإن كنت على معرفة وثيقة بقلمه وكتاباته في «السفير». وقد سبق أن اتصلت به أكثر من مرة مهنّئاً على مقالة له كما يفعل أي معجب بنجم عزيز على قلبه.
في «الأخبار» شدّتني إليه طيبته ورقّته وحكمته واتّزانه وهدوؤه.
هو رئيس التحرير، لكنه لا يشعرك بذلك ولا حتى للحظة واحدة. لا يطلب إليك كتابة موضوع يراه مفيداً وحاجة صحافية، بل يأتيك بأسلوب يشعرك بأنك صاحب الفكرة. هكذا فعل حين دخلت إليه الأسبوع الماضي محيّياً قبل توجّهي إلى مكتبي حيث بادرني بسؤال ما إذا كانت هناك قواعد تضبط عمل السفراء وتحدد طبيعة مهماتهم، مبدياً استياءه مما صدر عن السفير الأميركي جيفري فيلتمان إثر زيارته الأخيرة الى قريطم.
فهمت القصد من السؤال، وسارعت الى البحث عما رمى إليه فوجدت أن هناك بروتوكولاً دولياً (معاهدة فيينا) يمنع السفراء من التدخل في شؤون الدولة التي ينتدبون إليها. كما يلمح الى كيفية التعاطي مع الدبلوماسي الذي يخالف قواعده، بدءاً بالتنبيه وصولاً الى الطرد. وهكذا تبين أن أصل العلّة ليس في هذا السفير أو ذاك، بل في سلطة الدولة المتراخية التي لطالما حذّر منها «الرفيق جوزف» ونبّه الى خطورتها حتى أتعبت قلبه.
أستاذي الكريم الطيب، سؤال أخير: كيف أدخل «الأخبار» ولا أراك في مكتبك ـــ العيادة التي طالما شكوت أمري لها، كما يفعل غيري بالتأكيد وخرجنا منه معافين؟
رحمك الله... وشدّ من أزر رفيقك الأمين.



من سيرشدنا؟

ثائر غندور

هل رحل جوزف سماحة؟ يأتي السؤال من الهاتف، ويؤكده أحد الزملاء: مات الأستاذ.
الكلمة بسيطة، مات. تقال عن كلّ البشر. أما عن جوزف سماحة، فمستحيل. فنحن لم نرتوِ منك بعد. نحن الذين خرجنا من الجامعة إلى «الأخبار». كانت فرحتنا مزدوجة، وجدنا فرصة عمل، والأهم بإشراف جوزف سماحة.
اللقاء الأول كان في «اتحاد الشباب الديموقراطي»، في خضم التحضير لإصدار «الأخبار». مانعتَ كثيراً في الحضور، لكنك رضخت «لشلّة اليساريين هذه». تحدّثت عن الهمّ الطبقي الذي يشغل بالك، عن مستوى الصحافة في لبنان. سألتنا حينها «كم صحافياً تقرأ النفس الطبقيّ في كتابته؟» سكتنا. لكنّك أجبت: «يمكن بس خالد صاغية». فرحنا كثيراً حينها فقد علمنا اسم أحد كتّاب «الأخبار».
بعض من يعرفك قال لنا إنك أحببت اللقاء، أمّا أنت فقلت لنا عندما علمت أننا سنتخرج من الجامعة «جيبوا CV عالمكتب لعندي». هناك في وسط بيروت، تحدثت بإسهاب عن مواصفات الصحافي في هذه الأيام. شدّدت على التخصصية، وقلت في ختام اللقاء: «شغلتكم تضلكم تتصلوا وشغلتي إتهرّب». وهكذا كان، وكنّا معك في «الأخبار»، «جريدة المواطنين، لا الطبقة السياسية».
تجربتنا معك كانت غنية، على رغم أنها قصيرة. أتذكر حين شكّلت مهى زراقط وفداً من الزملاء، ودخلنا إلى مكتبك، «نريد أن نتظاهر ضد مجزرة قانا؟». «وعملكم؟». سكتنا، وأجبت أنت، «أنتم هكذا تقاومون، كصحافيين، بالقلم».
جوزف سماحة، من سيكتب افتتاحية باسم المواطنين، لا باسم الطوائف أو شلّة الرأسماليين؟ أي رئيس تحرير يمكن أن يعبّر عن هذه الطبقة المسحوقة؟ لا جواب بالتأكيد يا أستاذ. فالأجوبة كانت بحوزتك.
كيف سأقرأ الجريدة، وقد أدمنت على افتتاحياتك. كيف سيكون شكل الصفحة الأولى في «الأخبار»؟ تركتنا ورحلت، من سيرشدنا نحن المبتدئين؟