إبراهيم الأمين


يبدو أن الاتفاق الأميركي ـــــ الفرنسي يسير باتجاه منح الجهود التوافقية فرصة إضافية، لكنها محكومة بسقف زمني حدّه الأقصى العشرون من الشهر الجاري، باعتبار أن للاستحقاقات مقدّماتها، وإذا لم يحصل أن برز الخط البياني لتوافق جدّي، فإن من الصعب توقع نتائج حاسمة في اللحظة الأخيرة، علماً بأن هناك من هو في قلب هذه الاتصالات، يعتقد بالحاجة للتدقيق في نوع التفويض الأميركي، وفي صدوره، وفي نتائجه الفعلية.
أكثر المرتاحين إلى النتائج هو البطريرك الماروني نصر الله صفير، الذي يحتاج إلى من يساعده على إخراج يمنع انفجاراً يطيح الموقع المسيحي في الدولة، والنفوذ الإجمالي للمسيحيين في البلاد، وهو الذي عجز عن تحقيق الحد الأدنى من التوافق المسيحي ـــــ المسيحي حيال الرئاسة. لكن ثمة من هو أقرب إليه في هذه الحالة، مثل الرئيس نبيه بري الذي يخشى انفجاراً شاملاً يطيح كل شيء في البلاد. لكن السؤال هو عن موقع القوى القادرة على قلب الطاولة.
وفي دمشق، رأي حاسم، بأن سوريا لن تدعم انتخاب رئيس يعمل وفق الأجندة الأميركية. وهذا الأمر يجب أن يكون واضحاً، وقد سمعه موفد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، وخصوصاً عبارة «إن سوريا لن تقف عند الأسماء في حال التوافق على البرنامج، لكنها سوف تدقق في خلفيات كل من هم الآن في موقع المعادي لها، وإن سوريا لن تقبل رئيساً من فريق 14 آذار، وهذا أمر واضح ومحسوم».
الفرنسيون، بحسب أكثر من مصدر، تحدثوا عن الملف من زاويتين. الأولى تخصّ مستقبل العلاقات الفرنسية ـــــ السورية، لناحية التأكيد أن ما شابها خلال فترة حكم الرئيس السابق جاك شيراك، لن يكون له وجود لأسباب متعددة. لكن الكلام الأكثر وضوحاً، هو أن باريس مستعدة لبناء علاقات من نوع مختلف مع سوريا، وهي مستعدة لرفع مستوى هذه العلاقات، ولفتح قنوات التواصل مع أوروبا، وحتى مع الولايات المتحدة الأميركية، لكن فرنسا تحتاج إلى ما تمسكه بيدها من أوراق، وأولى هذه الأوراق وأقربها، ما يتعلق بالوضع في لبنان. وقال الفرنسيون إنهم باسم أوروبا يريدون توافقاً، وإنهم يدركون طبيعة التعقيدات القائمة في لبنان، وإنه يصعب فرض رئيس بغير إرادة نصف اللبنانيين، وإن النقاش يجب أن يتركز على آلية تتيح موافقة الأطراف كافة، من القيادات المسيحية إلى الشركاء المسلمين، بالإضافة إلى مواقف الأطراف الخارجية في المنطقة والعالم.
وبحسب ما هو متداول، فإن تفاهماً سورياً ـــــ فرنسياً حصل على هذه النقطة، وقد حمل الموفدان الفرنسيان الحصيلة وتوجّها مباشرة إلى روما، حيث اللقاء مع الملك السعودي عبد الله، ومع كبار المسؤولين في الفاتيكان، ما مهّد لإنتاج تفاهم بين السعودية والفاتيكان على دعم هذه الجهود، والسعي إلى منع قيام فراغ ومشكلات من النوع الذي يهدّد وحدة لبنان أولاً، ومصالح كل هذه الأطراف ثانياً. وقد تسلّح الفرنسيون مسبّقاً بدعم إيراني، سمعه الموفد جان كلود كوسران مراراً، وسبق أن نوقش في لقاءات فرنسية ـــــ إيرانية أخرى، ما جعل الموقف رهن الخطوة الأميركية.
المتفائلون يعتقدون بأن عدم تورط النائب سعد الحريري في مواقف مطابقة لمواقف حليفيه وليد جنبلاط وسمير جعجع، يعود إلى فهمه الموقف السعودي والموقف الفرنسي اللذين يدعوان إلى عدم الذهاب نحو المواجهة، بالإضافة إلى أن الحريري أدرك شخصياً، ثم من خلال زيارة جنبلاط إلى الولايات المتحدة الأميركية، أنه ليس في واشنطن رؤية واضحة أو آلية لدعم أي خطوة أحادية من جانب 14 آذار. حتى إنه تردّد أن جنبلاط سأل المسؤولين الأميركيين: ماذا سيكون موقفكم إذا لجأنا إلى انتخاب رئيس بالنصف +1، فسمع أن واشنطن سوف تعترف به، وردّ بأن هذا لا يكفي، فقيل له إن الولايات المتحدة مستعدة لفتح باب العقوبات على من يمثّل خطراً على هذه السلطة. وقد وُعد بإجراء تمّت ترجمته بالعقوبات التي شملت أربعة مسؤولين من لبنان وسوريا.
ولكن العصب الأساسي في هذا البحث، يعود إلى طريقة تنفيذ الآلية، باعتبار أن البطريرك صفير كان قد عبّر عن أمرين: الأول، إحباطه من القيادات المسيحية التي تهتم لموقف مرجعيات أخرى أكثر من الكنيسة، والثاني لكون الاعتبارات التاريخية تمنعه من التورط في لعبة ترشيحات تقود إلى الانفجار. ولذلك، فهو يريد أن يبادر غيره إلى هذه الخطوة، ما جعل الحل الأول يقوم على قاعدة أن يترك لممثلي الموالاة والمعارضة الأساسيين، أي بري والحريري، تقديم خلاصة إلى الموفد الفرنسي الذي يصل اليوم، ومن ثم تركه يبحث الأمر بطريقته الخاصة مع البطريرك صفير، ومع القيادات المسيحية الأخرى، على أساس أن هذا الأمر من شأنه فتح الباب أمام توافقات من النوع الذي قد ينتج حلاً، أو قد ينتج أزمة. ويرد في هذا السياق الكلام عن لائحة المرشحين الوسط، الذين يقول أحد المتابعين «إنهم لا يمثّلون تاريخاً سياسياً متصلاً بالانقسام الحاد القائم حالياً، ولهم رصيدهم في مجالات التواصل مع المجموعات كافة، ويملكون قدرة على لعب دور في تهيئة البلاد إلى مرحلة لاحقة. فإما أن يمنعوا توسّع الانقسام إذا كانت المنطقة ذاهبة باتجاه حرب شاملة، وإما أن يفتحوا الأبواب أمام إصلاحات داخلية من النوع الذي يواكب استقراراً طويل الأمد». ويقول المصدر نفسه «إن هذه المواصفات تأخذ بعين الاعتبار لعبة الفيتو المتنقلة بين القوى البارزة. فهناك مرشحون ربما تنطبق عليهم مواصفات بكركي، لكنهم يتأثرون بفيتو من أطراف داخلية وإقليمية، وهناك مرشحون من خارج لعبة التوافق يصعب تغطيتهم في ظل الانقسام الحالي، وبالتالي فإن الوسيط الأوروبي أمام مهمة وحيدة، وهي إما أن يكون لبنان بلا رئيس وبلا حكومة شرعية، وإما أن يكون برئيس يمثّل الحد الأدنى من التوافق الذي يساعد على إدارة معركة الحكومة الجديدة بأقل الخسائر الممكنة».
لكن صاحب وجهة النظر هذه لا يخفي أن الأمور ليست سهلة إلى هذه الدرجة، وهو يرى في قوى محلية كثيرة عائقاً يجب على قوى الخارج الضغط عليها لمنعها من الإقدام على تفجير من النوع الذي لا يقلب الأمور، لكنه يؤخر التوافق، ويترك الآثار السلبية على الجميع. وهو يرى في هذا المجال أن الدور الرئيسي يقع على عاتق الجيش اللبناني، الذي عليه منع أي انفجار من النوع الأمني أو الأهلي، وهو الأمر الذي يعرفه قائد الجيش مباشرة، وهو الذي يجري الآن الاتصالات بشأنه مع قيادات من الفريقين الموالي والمعارض، لعلّه يصل إلى نتائج عملية في وقت قريب.
إلا أن ما يحصل على الأرض ربما يعكس صورة مختلفة، حيث التعبئة قائمة على أكثر من صعيد، وعمليات التسلّح والتدريب متواصلة بطريقة مخيفة، والناس يحتفظون بما في جيوبهم من قروش بيضاء تحسباً لأيام سوداء آتية، وأشياء أخرى من التي تقع في باب «ليس كل ما يعرف يقال».