بيسان طي


لا تزال المستوعبات الأربعة التي تحتوي على أدوية ومعدات طبية ومواد غذائية وألعاب، جاثمة على أرض المرفأ. ولم تخرجها الجهات المعنية، على الرغم من صدور قرار بتأليف لجنة لفرز محتوياتها وتوزيع الصالح منها على بعض المستشفيات والمراكز الصحية.
وكانت «الأخبار» قد أثارت قضية هذه المستوعبات منذ أسبوعين، ما أدّى الى سجال مع وزارة الصحة والهيئة العليا للإغاثة، تدرّج من نفي مطلق لوجودها ومعرفة رئيس مجلس الوزراء بها، الى الإقرار بكل تفاصيل هذه الفضيحة.
والمعروف أن هذه المستوعبات هي عبارة عن هبة مرسلة منذ عام تقريباً للمساهمة في إغاثة المتضررين من العدوان الإسرائيلي في تموز من العام الماضي.
وفي إطار متابعة هذه الفضيحة، حصلت «الأخبار» على تفاصيل إضافية من مسؤولي الجهة الواهبة ومراسلاتها الكثيرة مع الجهات الرسمية المعنية، نعرضها كما يلي:
كانت لجنة إغاثة لبنان في هيوستن قد جمعت هذه التبرعات في الولايات المتحدة وأُرسلت إلى لبنان، وهي تتضمن أدوية ومواد وآلات طبية وأغذية وألعاباً. ووصلت السفن التي حملتها إلى مرفأ بيروت في 17 كانون الأول 2006، وأُخضعت للقرار الصادر عن مجلس الوزراء في 31 تشرين الأول 2006 والقاضي بفرض رسوم جمركية على كل الإعانات والمساعدات العينية التي تصل إلى لبنان باستثناء تلك المرسلة إلى الهيئة العليا للإغاثة.
أُرسلت التبرعات إلى جمعيتي «عامل» و«غرين لاين»، ثم انضمت إليهما جمعية «فور سايد»، وكان من المقرر أن يتولى مندوبو هذه الجمعيات توزيع التبرعات على المتضررين. ولكن تبيّن أن الرسوم المتوجبة عليهما لإخراج حمولات الكونتينرات من المرفأ ستبلغ ـــــ حتى شهر شباط الماضي ـــــ نحو 20 ألف دولار، ويشمل هذا المبلغ الرسوم الجمركية و«إيجار الأرضية» حيث ترسو هذه الكونتينرات.
توضح المراسلات بين المتابعين للقضية أن وزيرة الشؤون الاجتماعية نايلة معوض وعدت بالعمل على إعفاء هذه التبرعات من الرسوم، وأنها أرسلت الملف إلى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة.
وكان أعضاء الجمعيات المعنية بالتبرعات قد عقدوا عدداً من الاجتماعات وقرروا بعث رسالة إلى وزير المال جهاد أزعور يطلبون منه إعفاء هذه التبرعات من الرسوم، لكنه رفض الأمر.
مرت الأيام والشهور والحمولات لا تزال في الكونتينرات، ولم تُبدِ الجهات الرسمية اللبنانية أي تجاوب مع الجمعيات المعنية.
في شهر أيار الماضي، التقى ممثّلو الجمعيات مجدداً. وخلال الاجتماع كرر ممثلون عن «غرين لاين» استياءهم من الأسلوب الذي اعتمدته السلطة اللبنانية في توزيع التبرعات التي أُرسلت للمتضررين من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان. وبعد طول مناقشات، تنازل ممثّلو «عامل» و«غرين لاين» عن التبرعات، وتولت جمعية «فور سايد» أمرها ثم تنازلت عنها للهيئة العليا للإغاثة.
عزيز شيباني، رئيس «لجنة إغاثة لبنان» التي تولت جمع التبرعات في هيوستن في الولايات المتحدة، قال لـ«الأخبار» إنه التقى السنيورة في 11 تموز الماضي، وتحدث رئيس الحكومة اللبنانية إلى اللواء يحيى رعد طالباً منه التعاون مع شيباني لإخراج التبرعات من المرفأ.
رعد طلب، من جهته، أن تتولّى الحكومة اللبنانية مهمة توزيع جزء من التبرعات، فردّ شيباني بأن «الأمر ممكن إذا وافق المتبرعون. ثم قام رعد بالطلب من محمد مملوكي بأن يتابع هذه القضية».
إذاً اتُّفق على أن تتولى الحكومة دفع الرسوم وتوزيع التبرعات. وقد لفت شيباني إلى أن الرئيس السنيورة طلب منه بأن يُخصص جزء من هذه التبرعات لأبناء المخيمات الفلسطينية في الشمال، فرد شيباني بداية بأن المتبرعين قدموها لأهالي الجنوب المتضررين من العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، و«أنه يمكن القيام بحملة جديدة لجمع تبرعات لأبناء المخيم». كرر السنيورة طلبه ولفت إلى أن أحداث مخيم نهر البارد أوجدت وضعاً متأزماً. وافق شيباني على أن يُقتطع جزء من التبرعات لتُرسل إلى المخيمات في الشمال.
مع تأخر إفراغ حمولات الكونتينرات تلقى شيباني وعداً من السفير الأميركي في لبنان جيفري فيلتمان بالعمل لحلحلة هذه القضية «بعد موافقة الرئيس السنيورة»، ولكن «الحلحلة» لم تتم.
وقد تلقى شيباني أخيراً رسالة جاء فيها أن شركات الشحن التي نقلت الكونتينرات طلبت من الهيئة العليا أربعة آلاف دولار عن كل كونتينر. وبعد مفاوضات خُفض المبلغ بنسبة 60 في المئة، لكن «الحكومة لا تستطيع أن تدفع هذا المبلغ»(!)، وطُلب من شيباني أن يتوسّط لدى المكاتب الرئيسية لهذه الشركات في الولايات المتحدة.
إذاً يبدو أن التبرعات ستمكث طويلاً في المرفأ، فيما يتحدّث شيباني عن استياء المتبرعين الأميركيين، ويقول إنه يخشى من أن تكون الأدوية التي أُرسلت قد باتت فاسدة وغير صالحة للاستخدام.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن جمعية «غرين لاين» وجمعيات أخرى قد طلبت من ممثلي جاليات لبنانية في أوروبا ألا يُرسلوا تبرعاتهم إليها، وثمة ممثلون عن جمعيات أكدوا أنهم لم يخضعوا لقرار دفع رسوم على التبرعات العينية التي يتلقونها.