إبراهيم الأمين


فتح الأمين العام لـ«حزب الله» الباب أمام دورة نقاش جديدة في شأن الاستحقاق الرئاسي. وهذه المرة ليس من زاوية البحث التوافقي في معناه التقليدي الذي يعني باللغة السياسية المحلية أن يجتمع هذا وذاك، يتداولان أسماءً ثم يهبط الوحي فيذهب النواب وفي جيوبهم ورقة، ويكون لنا في اليوم التالي رئيس جديد للبلاد.
تصحّ هذه النظرية في بلد يعيش استقراراً سياسياً واقتصادياً ولو رديئاً. هكذا كانت الحال في ظل النفوذ السوري الكبير، حيث لم يكن مهمّاً شكل المباراة على الترشيحات، لأن برنامج العمل الموضوع أمام الرئيس أُعدّ سلفاً وهو ما ليس حاصلاً الآن، مما يعني أن ما عرضه نصر الله أمس من باب الأسئلة ـــــ الهواجس، يعكس القلق الجدي الموجود عند قوى أساسية في البلاد، ترى أن من الصعب السير في لعبة توافقية ـــــ تقليدية دون الحصول سلفاً على آلية واضحة لسير إدارة البلاد. فكيف إذا كان حزب الله، أكثر الأطراف قوة وتأثيراً، قد تعرض لأكبر عملية غدر وخداع في الانتخابات النيابية الأخيرة؟ وهل يصدق عاقل أن حزب الله يمكن أن يكتفي الآن بكلام عام طنّان ورنّان قد يكتبه صحافي من الدرجة التاسعة ويتلوه رئيس من الدرجة الأولى؟
بالطبع سيشنّ فريق 14 آذار هجوماً على نصر الله ويتهمه بعرقلة المبادرة الفرنسية، أو بزرع العقبات أمام توافق على الرئاسة. وثمة من سيخرج من هذا الفريق ليقول إنه لا مجال للتفاهم مع المعارضة، ولنذهب بخيار الانتخاب من طرف واحد ووفق نصاب النصف الزائد واحداً، وسوف يكون معنا أكثر من نصف اللبنانيين، وكذلك الدول العربية والغربية والمجتمع الدولي، ولن تبادر المعارضة إلى أي فعل، لأنها غير قادرة على ذلك. وهكذا، فإن ما يكرره السفير الأميركي جيفري فيلتمان من تحريض متواصل على القيام بمبادرة هجومية كهذه، سيتحول عنواناً عند قوى أساسية في 14 آذار، ولن يكون الأمر مقتصراً على أميرَي الحرب وليد جنبلاط وسمير جعجع، بل سوف يشمل شخصيات كثيرة يتقدمها المرشحون للرئاسة الذين يعرفون أن فكرة التوافق تعني استبعادهم كلياً. كذلك سيكون مع هذا الموقف الفريق الأكثر هامشية على مستوى التمثيل المسيحي، أي بقايا «قرنة شهوان» من شخصيات سياسية واقتصادية وغيرها تشحذ سيوفها الآن لنيل حصتها من عملية بيع مرافق البلاد.
إلا أن القوى النافذة في لبنان وخارجه تدرك أن ما طرحه نصر الله يعكس الواقع الحقيقي للعبة الداخلية، حيث لا يمكن أن يتوقع من جهة كالمقاومة أن توافق على رئيس لمجرد أنها تريد أن تفض مشكلاً في البلاد، ولا أن تتصرف كأن هناك حكومة قابلة للتأليف، لكن ثمة مشكلة بسيطة في اسم وزير أو تولّي حقيبة. إن نمطاً في التفكير والتصرف كهذا النمط معناه أن البلاد تريد التخلص من عبء الفراغ المحتمل، وتقايضه بهدنة هشة، سرعان ما تسقط عندما يتقدم فريق الأكثرية نفسه، ومن خلفه الأميركيون يسألون عن تطبيق القرار 1559، وهو أصل المشكلة. ومن يفترض أن التفويض المزعوم من الولايات المتحدة لفرنسا، لا يعدو كونه تكليف ضابط اتصال تولّي المفاوضات، ولكن من دون تعديل في جوهر الموضوع هو واهم. فواشنطن مقتنعة بأنه لا مجال لانتخاب رئيس دون موافقة سوريا، وهي لا تريد حواراً مع سوريا، فلا بأس أن تترك لباريس، باسم الأوروبيين، تولّي مهمة الاتصال بدمشق. كذلك الأمر بالنسبة إلى القوى المحلية، حيث باتت الولايات المتحدة طرفاً رئيسياً وغير قادرة على تولّي الوساطة. أما الفريق العربي «المعتدل» فقد خسر موقع الوسيط بعد انحيازه الفاضح إلى فريق لبناني دون آخر، فلم يعد في الميدان غير الفرنسيين الذين يخشون أموراً كثيرة ليس أقلها خسارة آخر مواقع النفوذ لهم في الشرق الأوسط. وجاء الأمر معطوفاً على رغبة فاتيكانية غير مسبوقة بلعب دور توفيقي خشية أن يسقط المسيحيون في اختبار الولاء لطرف دون آخر، في ظل الانقسام اللبناني.
وإذا كانت ردود الفعل الأولية على خطاب السيد نصر الله قد اتسمت بالارتياح من جانب الرئيس إميل لحود والقوى المسيحية في المعارضة، فإن القلق الذي ساد أوساط فريق 14 آذار عكسته تعليقات نُقلت عن لسان النائب سعد الحريري، وتقول إنه يرى الخطاب تصعيدياً يقضي على فرصة التوافق، وهو سيطرح الموضوع من هذه الزاوية على الرئيس نبيه بري باعتباره مفاوضاً باسم المعارضة، وبالتالي فإن الحريري ومن خلفه فريق 14 آذار سوف يسعى للحصول على موقف جديد من المعارضة لاستئناف المساعي التفاوضية، علماً بأن الحريري يعرف أن المشكلة قائمة حتى قبل خطاب الأمين العام لحزب الله، لأن المخرج الذي استخدمه مع بري لإلزام البطريرك الماروني نصر الله صفير تسمية مرشحين، هو مخرج غير قابل للحياة، إلا إذا كان بري والحريري يشعران بقدرة بكركي على جمع الزعماء الموارنة المتخاصمين وإقناعهم بإصدار لائحة باسم مرشح واحد أو بضعة مرشحين، ونقلها إلى الثنائي بري ـــــ الحريري حتى يجري الاختيار، علماً بأن جعجع كان أول من أعلن أنه لا مجال لآلية من هذا النوع، وزار صفير ونقل عنه رفضه الدخول في التسميات، وبالتالي فإنه ما لم ينجح المسيحيون في ترشيح شخص أو أكثر، فإنه يستحيل على الطرف المسلم أن يبادر إلى طرح من جانب واحد. كما أن العماد ميشال عون الذي ارتاح كثيراً إلى خطاب نصر الله، سوف يكون له موقفه المفصّل اليوم، في مقابلة تبثّها قناة «المنار» مساءً، وفيه شرح للنقطة التي لم يتطرق إليها نصر الله في خطابه أمس، والتي تتعلق بالتمثيل المسيحي.
فإذا كانت قوى 14 آذار المسيحية ترى في نفسها ممثلاً شرعياً قادراً على إعادة الاعتبار إلى الموقع المسيحي في الدولة وفي السياسة، فإن هذا وهم ما دامت تسلِّم أمرها لما تقرره القيادة الفعلية لفريق السلطة، وهي القيادة الموجودة عند الحريري وجنبلاط، ولا يبدو فيها جعجع غير شريك شكلي، أما بقايا «قرنة شهوان» فهم أقرب إلى الشهود الذين ينتظرون من ينطق باسمهم.
وبناءً على ذلك فإن المبادرة الفرنسية القائمة على اختيار رئيس بأي ثمن، ونقل المعركة إلى الملف الحكومي، تعني تجاوز المشكلة الأساسية التي تدور حول الواقع المسيحي، وحتى البطريرك صفير لا يمكنه تجاوز هذه العقدة، لأن الانفجار المقبل سوف ينطلق أيضاً من الشارع المسيحي، فكيف إذا كان عنده شريك مسلم قوي مثل حزب الله؟
ما فعله السيد نصر الله أمس كان كشفاً لأوراق يعتقد الآخرون أنها مستورة، لكنه لم يقف تاركاً الطاولة، بل دعا الآخرين إلى التحدث عن أصل المشكلة أو الاعتراف بالعجز عن إنتاج الحل.