strong>نيبال الحايك


• حُرمت من الأطفال فربيت معظم أولاد زحلة

منذ «عمر» لم تغادر فسوح السباك، أو حُنينه، كما تفضّل أن يناديها الناس، غرفتها الصغيرة في أحد أحياء مدينة زحلة المزنّرة بالقرميد الأحمر والأدراج الجميلة. في غرفتها المحروسة بصور المسيح ومار شربل تكرّر «حنينه»، من دون تعب،
سرد قصتها مع الزمن الذي لم يعطها لحظات جميلة


تتسلل الشمس في لحظات غروبها إلى غرفة حنينه في زحلة. يلمع شعرها الأبيض فوق وجه ناصع البياض. تسترق حنينه (71 عاماً) النظر من بين «قضبان» باب غرفتها المهددة بالسقوط وتتطلع نحو خيوط الشمس التي شارفت على المغيب وتقول «نسيت جيب ربطة خبز».
منذ أكثر من 17 سنة وحنينه تعيش حبيسة غرفتها بعدما أقعدها المرض وحرمها «نعمة» المشي والأولاد... و«أنا يا بنتي تزوّجت بالقوة وكان عمري 14 سنة، لم أكن أعرف شيئاً عن الزواج... أخذوني من البقاع إلى الشمال وبقيت هناك مع زوجي الذي مات منذ 30 سنة... ولم يرزقني الله أولاداً».
حياة «حنينه» مليئة بالمغامرات و«الأوجاع»، فبعدما تزوجت خلافاً لرغبتها، تعبت كثيراً مع زوجها الذي «هدّه» المرض و«حملت همّ الدنيا وأنا لا أزال صغيرة... زوجي هو من ربّاني وعلّمني كيف تكون الحياة، لكنني لم أكن أعرف أن الحياة ستكون صعبة إلى هذا الحد ولن تسمح لي بالمشي والتنقل»... لا تطيل الشكوى لأن «الله سترها معي.. وبقدر أخدم حالي بحالي»!
تتجمع في غرفة «حنينه» «غالونات» مياه الشرب التي يحضرها لها الجيران يومياً من خلال «مزراب» للمياه قرب غرفتها، يُعتبر أيضاً مصدراً لمياه الشرب لهم. وإلى جانب سريرها البسيط نجد «البراد» الذي أهلكه الزمن وبدأ الصدأ يتسلل إليه، وخلف «مخدتها» ترتفع عدة «رفوف» خشبية محمّلة بعبوات زجاجية تضم مختلف أنواع الحبوب و«ركوة» القهوة التي تعشق حنينه شربها مع «سيجارة» وطنية الصنعنجحت «حنينه» في وضع كلّ ما تحتاج إليه يومياً من مأكل ومشرب قرب سريرها الذي لا يبعد كثيراً عن «الحمام». الأخير تصل إليه زحفاً، من دون كثير عناء ومن دون مساعدة أحد. إلى جانبها أيضاً وعاء صغير معلّق بطرف عصا خشبية طويلة لجلب الماء من سطل تغسل فيه وجهها أو أواني الطبخ، «أعتمد كثيراً على نفسي، لكني لا أستطيع الذهاب إلى الدكان لأشتري الأغراض أو الدواء... الله يخليلي الجيران، منذ زمن لم أرَ القرميد ولم أمشِ على أدراج زحلة».
تعشق «حنينه» مدينة زحلة وقرميدها الأحمر الذي بدأ يتراجع أمام «زحف» الإسمنت. وهي حين تتذكر المدينة يخطر في بالها «أفراح» زحلة ومهرجاناتها ووادي البردوني وأيام العز مع «أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب والسيدة فيروز» وكل أساطين الفن والغناء الذين كانوا يجدون في وادي البردوني فسحة جميلة لترديد أجمل الكلمات والأغاني والألحان. تقول حنينه إنها كانت تمضي أجمل الأيام على ضفاف نهر البردوني: «يوم كنت لا أزال قادرة على السير، أتبادل حديث الحب مع زوجي الذي لم أعش معه الحب قبل الزواج، استفدت من زواجي لأعيش هذه الحالة التي كنا نراها في الأفلام العربية القديمة».
في عز «أيامها» كما تقول «حنينه» كانت تعمل في «لفّ ورق العريش» في أحد المطاعم قبل أن تتعب «قدماها» من الوقوف و«لفّ» ورق العنب، عندها «تركت العمل في المطعم وانتقلت للعمل في مساعدة المرضى العجزة في المنازل، وكنت أقوم أيضاً بتنظيف البيوت... الشغل متل ما بتعرفي يا بنتي مش عيب، وأنا ربيت أكثر من مئة ولد وبنت... كان أهلهم يعتمدون عليّ في تربيتهم، وكنت أتنقل من منزل إلى آخر.. كنت مبسوطة ومرتاحة، أغلبية أولاد المهندسين والأطباء والتجار الكبار أنا ربّيتهم برياق والفرزل وزحلة».
لم يقتصر عمل «حنينه» على لف ورق العنب وتربية أولاد «الخواجات»، فمتطلبات الحياة بعد وفاة زوجها ألزمتها بالعمل على مدار الساعة، «عملت عند الراهبات في الأديرة وكنت أساعد في إعداد الطعام والتنظيف، وبعدها وجدت عملاً لي في مطعم بقيت فيه إلى أن وقعت ولم أعد قادرة على الوقوف».
تحب فسوح السباك الأولاد كثيراً، «لكن الله لم يرزقني طفلاً يساعدني في آخرتي... بقيت أعمل حتى تعبت من المرض، صرت أذهب يومياً الى المستشفيات قبل أن يضطر الأطباء إلى بتر قدمي اليسرى بعدما ضربها «النشفان»، ومن ثم قدمي اليمنى، وها أنا على هذه الحالة منذ 17 سنة. لا أستطيع الخروج من الغرفة التي قد تقع عليّ.. في السنة الماضية وقع حائط قرب الغرفة، لكنني رفضت أن أتركها.. لوين بدي روحفهي ترفض مغادرة الغرفة الى مأوى للعجزة كما اقترح عليها أحد الأصدقاء، أو إلى أيّ مكان أكثر أمناً من غرفتها المعرّضة للسقوط في أي لحظة. غرفتها الصغيرة هذه تكاد تكون مملكتها: «حياتي هنا منظّمة. لا أستطيع الذهاب إلى أيّ مكان آخر لأن الإيجار هنا رخيص، ولا يمكنني الإقامة عند أحد لأن ابن آدم ثقيل... يبقى بيتي أحنّ عليّ». لكنها، في مقابل هذا «التمسك» بالغرفة، تتمنى الانتقال منها الى غرفة أفضل و«أحسن من هون.. بس فقر الحال» لا يسمح لها بالانتقال الى مكان آخر إلا إذا تكرّم أحد من أبناء زحلة بإعطائها غرفة تكمل فيها بقية أيام عمرها، «بدي غرفة تكون بزحلة حتى ضلّ شمّ ريحة أرضها وشجرها».
كانت «حنينه» تدفع نحو مئة ألف ليرة لبنانية بدل إيجار غرفتها الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار مربعة، «الله يخليلي ولاد الحلال... كانوا يدفعون لي إيجار الغرفة كل شهر... لكني الآن لم أعد قادرة على الدفع، فسامحني أصحاب البيت بالمبلغ». لكنها ملتزمة بدفع فاتورة الكهرباء مهما كانت ظروفها صعبة: «ما عندي غير لمبة وبراد.. بقدر أدفع الفاتورة كي لا يقول أحد عني أنني أخالف القوانين. القانون يحمي الجميع وأنا يحميني القانون»!
لا تطلب حنينه الكثير، فهي سيدة غير «متطلبة»، كما تقول: «المهم أنّي أعيش بشرف وكرامة، وكلّ ما أريده من الله أن يبقيني في حالتي التي ارتضيتها من دون تذمر على رغم كل الأوجاع». لا تقبل «حنينه» الشفقة من أحد ولا تسمح لنفسها أن تطلب مساعدة من أيّ إنسان، إيمانها بالله والقديسين يعطيها الأمل في «تحلحل» أوضاعها المادية قليلاً.
تتحدث «حنينه» عن إخوتها وأخواتها بكثير من الحزن والاشتياق، فلقد مرّ زمن طويل ولم تر أحداً منهم، و«إذا شاهدتهم فلدقائق معدودة.. تأتي أختي لزيارتي وتعود «خطف» لأن زوجها مريض ولا أحد يعينه. كلّ واحد من إخوتي في مكان بعيد عن الآخر وأوضاعنا تكاد تكون متشابهة بحيث لا يمكننا أن نتساعدشقيقي الأكبر يعاني اليوم ضعفاً في نظره ولا يستطيع القيام بأي عمل، وأخي الثاني مسافر منذ 20 سنة ولا نعرف عنه أي شيء نهائياً منذ أن سافر واغترب، أما أخواتي فلكل واحدة منهن قصة».
تحنّ حنينه كثيراً إلى «الأولاد» الذين ساعدت في تربيتهم وكبروا مع الأيام، وتتذكر مع عدد قليل منهم أيام طفولتهم خلال زياراتهم المتقطعة لها، «كلّ الأطفال الذين ربّيتهم هم مثل أولادي، أفرح كثيراً عندما يزورني أحدهم... أشعر أنّ الدنيا بألف خير، لكن في الأعياد أتمنى أن يطرق بابي أحدهم لكي أعرف أن هناك عيداً».




هكذا خطفني زوجي

«تطعّم» حنينه حديثها بكلمات وعبارات فرنسية وإنكليزية تعلمتها من أولاد «الخواجات» الذين ربّتهم، و«كنت أحياناً أقوم بتدريسهم... في أيامنا لم تكن هناك مدارس، لكنّ والدي استطاع أن يعلّمني حتى الصف الرابع الابتدائي».
تشرح كيف تزوجت غصباً عنها... قبل أن تحب زوجها لاحقاً: «كنت صغيرة ألعب مع الأولاد حين مرّ زوجي مع أحد رفاقه فأُعجب بي وخطفني إلى الشمال». بعدها اتصل بأهلها وأخبرهم... «كنت ولداً لا أعرف شيئاً عن الحياة والزواج، المهم تزوجنا والله ستر علينا وبقيت مع زوجي حتى وفاته فعدت الى الفرزل ومنها الى زحلة قبل أن أجد هذه الغرفة التي لا أعرف غيرها». غرفة خرجت منها آخر مرّة قبل 3 أشهر في زيارة لمدة يومين للفرزل، «لم أعرف كيف مرّ اليومان لكي أعود إلى غرفتي التي تشعرني بالأمان».