حاوره: فداء عيتاني


• المرحلة والطبيعة تقتضيان إمساك «المستقبل» بالقرار

يبقى النائب السابق والزعيم البيروتي تمّام سلام في منزله أشهراً، يتابع دقائق الحياة السياسية محلياً، يزور ويزار، ويقرأ المواقع الإلكترونية، ويهتمّ بتفاصيل من حول العالم، ينهم في السياسة ويهتم بعدم الظهور، ثم يعاود فجأة الحراك

• تغيب أحياناً عن المشهد السياسي ثم تظهر فجأة. ما السبب؟
ـــــ حركتي السياسية لها علاقة بمدى اقتناعي ورؤيتي للأوضاع العامة. وعندما يكون الجدال في البلاد محتدماً وصدامياً، تتقلّص مساحة الكلام العاقل والمعتدل والمتوازن. يعترض ذلك أصحاب القناعات الوسطية والوفاقية في البلد، وأنا من ضمن هؤلاء. وعندما يفتح المجال أمام بعض التعقل والاعتدال والمساعي الوفاقية التي تؤدي إلى توافق، تجدني أنشط وأتحرك وأتواصل مع كل القيادات للتشجيع على المضي في هذا الخط.
التجاذب أمر طبيعي في الحياة السياسية، كما التنافس. أما الصدام والتخوين، وتعبئة الناس ومخاطبتهم بمواقف تصعيدية وتصادمية، فهذا أمر آخر يقلّص مساحة الوفاق.
ينشط التوافقيّون عندما تكبر فرصة الكلام المعتدل ومساحته، وليس في الأمر انتظارية، بقدر ما هو انسجام مع جدوى مواقفهم وتحرّكهم. فما الفائدة من الكلام والحالة محتدمة بين الفرقاء، من سيسمع صوتك؟ وهذا أيضاً من العوامل التي تقلص وتحجّم دور الوسطيين.

• من أين تأتي كل هذه التعقيدات في أزمة السلطة والصراع عليها؟
ـــــ لا شك بأن خلفية أحداث توالت وتراكمت في الأعوام الثلاثة الماضية أدت إلى ما نحن فيه اليوم. ولكن، هذا شيء والوقوع في المحظور شأن آخر. وهنا أقول إنه بين الصراع السياسي المشروع في الحياة السياسية والتهويل بالخراب والدمار وغيره فرق كبير. وقد شهدنا نموذجاً وحالات منه في الماضي، ودفعنا فيها أثماناً غالية، وربما أبرز تلك الحالات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية كان عام 1988. وهنا يهمني أن أقول إنني سمعت كلام الرئيس أمين الجميل حول الموضوع حيث أسرّ لي أنه حذّر القيادات المسيحية أخيراً من الوقوع بما وقع به هو عام 1988 عندما تم طرح اسم مخايل الضاهر ورفض هو السير به حينها. واعترف للقيادات المسيحية بأن عدم قبوله بمخايل الضاهر أوصل البلاد إلى ما لا تحمد عقباه، وحصلت الفاجعة التي طاولت المجتمع المسيحي قبل أي مجتمع آخر.

• ولكن، هي الفتنة تأكل بيروت اليوم.
ـــــ الفتنة المذهبية موجودة ومتنقلة وجاهزة في كل موقع، وليس فقط في بيروت. وهي أكثر بروزاً في بيروت لأنّ العاصمة والمدن الكبيرة بطبيعتها تحتضن الجميع، وأي خلل في علاقة الطوائف والمذاهب بعضها ببعض يبرز أول ما يبرز في بيروت ويأخذ واقعاً شارعياً مزعجاً.
المخرج الطبيعي هو المبني على المعادلة التاريخية التي قام وبقي واستمر عليها لبنان، وهو التوافق، والميثاق الوطني هو توافق قبل أي شيء آخر.
لا أقول إن هناك حلاً شاملاً لكل مشاكلنا، بل التوافق هو المخرج لأزمة استحقاق الانتخابات الرئاسية التي ستشكل، إن حصلت على قاعدة وفاقية، مدخلاً لمعالجة أمور أخرى. صحيح أنّ ثمة مشكلات كثيرة عالقة، ولكن ثبت لدينا من زمن أن حل كل المشكلات دفعة واحدة غير ممكن.

• أثبت النظام عدم قدرته على حل أية مشكلة.
ـــــ كلا، ليس على حل أية مشكلة، وإنما على حل مجمل المشكلات، بشكل فوري وواحد. وإذا كان هناك عجز على الإحاطة بجميع المشكلات والالتفاف من حولها، فلتُجزَّأ الأمور ونمضِ في هذا السبيل خطوة خطوة.

• إذا ما طالبتك اليوم بالانحياز، فإلى من ستنحاز؟
ـــــ هذا صلب الموضوع. الانحياز اليوم غير مطلوب. ما دام هناك انحياز وتحيّز، لن تتقدم الأمور. فالقيادات والقوى السياسية القائمة على التحيّز تعبّئ الشارع. ولكن، لا يفوتك أننا اليوم بالذات نسمع على لسان كل الناس كلاماً مطالباً بإنهاء التوتر وانتخاب رئيس للبلاد كائناً من يكون، وهذه المواقف هي التي تمنع أي صدام مذهبي أو طائفي، فالناس بانتماءاتهم كافة متهيّبون، وأغلبية الشعب تطالب بالخلاص.

• هل يمكننا تخيّلك اليوم تقف أمام جمهور 14 آذار أو 8 آذار وتطالبهم بالاعتدال؟
ـــــ لن أتخلى عن هذا الموقف، ووقفت أمام جمهوري في كل يوم وكل لحظة لأؤكد على هذا الخطاب، ولن أستسلم للعصبية الطائفية، ولا سبيل لي غير ذلك.

• ما هو الدور السعودي اليوم؟
ـــــ هو موجود ومستمر وقائم وحاضر وراعٍ للكثير من مشكلاتنا في لبنان. ولكن السعودية لم ولن تتخذ دوراً تنافسياً مع أحد، وهذه طبيعة الدور السعودي. والسعودية لا تطمح إلى مكاسب أو نفوذ في لبنان، وكل ما تطمح إليه هو أن ينعم لبنان بالاستقرار، وهو دور تلعبه مع اللبنانيين في المملكة نفسها حيث تحضن اللبنانيين ولا تفرّق بينهم.

• في هذه الخريطة، لا مكان إذاً لصحة كلام المعارضة بأن السعودية تلعب دوراً في لبنان مع الأكثرية. هل تضع ذلك كله في إطار الاتهامات السياسية؟
ـــــ هناك الكثير من الكلام والاتهامات التي يوظفها هذا الفريق ضد الآخر، ونسمع اتهامات ضد السعودية، ونسمع من الفريق الآخر اتهامات ضد إيران وسوريا، مِن دفع أموال وحتّى إقامة دولة ضمن دولة.

• هل هناك مسعى لإقامة دولة ضمن دولة في لبنان من قبل حزب الله؟
ـــــ لا شك بأنّ لحزب الله دوراً مؤسسياً وحجماً كبيرين يعطيان في بعض الأحيان انطباعاً بأنه دولة ضمن دولة، وهذا أمر لا يخفى على أحد. أما البعد السياسي لهذه الحالة، فيمكن أن يأخذ أشكالاً أخرى، وهم لا يخفون تحالفهم مع سوريا وإيران، ومدى هذا التحالف وشكله ووتيرته وتقدمه أو تراجعه تخضع إلى التوازن السياسي القائم في لبنان.

• هل هم حالة شاذّة؟ ألا يمكننا وصف بعض من الطبقة السياسية بأنه عميل لجهة خارجية أو غيرها؟
ـــــ ليسوا هم بالحالة الشاذة أبداً، ولكن ربما هي الحالة الأوضح لأنها الأكبر والأقدر.

• ماذا بقي لأبناء السنّة في لبنان غير المحكمة الدولية والمطالبة بالحقيقة، وقد انتهت مؤسساتهم الاجتماعية، وتم استيعاب دار الإفتاء في الخانة السياسية، والمساعدات أصبحت حصراً بيد جهة، وبات دورهم السياسي حكراً على «المستقبل»؟
ـــــ سؤالك ينطبق على الطوائف الأخرى التي تحتكر فيها القرار فئات معينة وتموّلها جهات معينة، فهل هذا يعني أنها لم تعد موجودة أو ألغيت؟ السنّة في لبنان طائفة أساسية في ضبط ومواكبة حاجة الوطن إلى التكامل بين كل طوائفه. ورغم ما تشير إليه، فإن للطائفة قياداتها ومواقعها المختلفة. وربما كان لتيار المستقبل في ما نمر به اليوم موقع متقدم وكبير في الطائفة، يتميز به على الآخرين، ولكن هذا لا يعني إلغاءًًًً للطائفة أو ضمورها. في خضم الصراع القائم، تفرض الطبيعة تفويضاً لقوى كبيرة تمثّل الطوائف.

• ألا يقلقك أنّ فشل مشروع الحريري أو نجاحه قد يدفعنا إلى تطرّف سنّي نحو «القاعدة»؟
ـــــ خيار «القاعدة» يقلقني كما يقلق أي إنسان، لأنّ هذا التعاطي مع القوى بالقتل هو مشروع تهديمي في كل موقع، ولا إمكان للمقارنة بين المشاريع القائمة في لبنان وهذا النموذج الذي لا يبني أوطاناً. ولا خيار لدينا نحو ما تشير إليه.
المطلوب اليوم أن تتفاعل المرجعيات السياسية للطوائف مع بعضها بعضاً، للحدّ من إمكان بروز حالات شاذة مثل «القاعدة» أو غيرها.

• هل أنت متفائل بشكل عام؟
ـــــ الجو العام في البلد لا يساعد على التفاؤل. وإذا أضفنا إليه كل ما ينعكس علينا من الصراع القائم في المنطقة، يجب أن نعترف ونقول إن الحذر والترقب يسيطران، أما القول بأن هناك تفاؤلاً، فهذا أمر صعب.

• هل يمكن للنظام اللبناني أن يعيش؟
ـــــ النظام يعيش صراعاً مع الحياة، وإذا لم تكتب له الحياة فلن تكتب للبنان الحياة. وهذا النظام هو النظام الديموقراطي الذي وصلنا إليه بعد معاناة. أما إن كنا نتحدث عن آلية وضمانة استمرار النظام وضرورة مراجعتهما، فلمَ لا؟ وأبرز المراجع هو قانون الانتخابات.