غربي بعلبك ــ رامح حميّة


وزارتا الصحة والبيئة غائبتان والجودة تعتمد على البعد عن ضفاف النهر

في ظل غياب محطات التكرير الخاصة بالصرف الصحي، يزخر مجرى نهر الليطاني بنسبة عالية من التلوّث نتيجة «روافد المجارير» التي تصبّ فيه «من كل حدب وصوب»، بدءاً من منبعه حتى بحيرة القرعون في البقاع الغربي. وبالنظر إلى جفاف الأحواض والمشاريع من المياه، وغياب الرقابة الفاعلة، لجأ المزارعون المحاذية أراضيهم لمجرى النهر، إلى الاستفادة من المياه الآسنة فيه، واستخدامها في ريّ مزروعاتهم المختلفة من بطاطا وخس وحرّ وبقدونس وغيرها، بغية الحصول على محاصيل جيدة «شكلاً»، وغنيّة بالملوّثات السامة «مضموناً».
وتختلف طرق الاستفادة من مياه الليطاني بين من عمد إلى حفر أحواض كبيرة يتم فيها جمع مياه الصرف الصحي منه، ومن ثم يتم وضع مضخّات تعمل على نقلها إلى الأراضي الزراعية. في حين أن البعض الآخر لجأ إلى استئجار صهاريج ضخمة لنقل المياه الآسنة ليلاً من مجرى أحد المعامل في المنطقة إلى أراض زراعية في رياق البقاعيّة.
وفيما باتت المشكلة معروفة من جانب أهالي المنطقة ودائرة الصحة في زحلة، إلا أنه لا من يسأل ولا من يعالج.
رئيس بلديّة بدنايل يوسف سليمان أوضح لـ«الأخبار»: «أن مشكلة ريّ الأراضي الزراعيّة من مياه الليطاني الملوثة موجودة فعلاً، وقد عمدت البلدية الى إزالة القساطل التي يتم السحب بها، والموجودة في سهل البلدة، إلّا أن الحال تعود إلى ما هي عليه بعد أيام قليلة». وأكّد سليمان: «أن مناشدات البلدية لدائرة الصحة في زحلة لم تلق آذاناً صاغية بحجّة عدم تقديم أسماء هؤلاء المزارعين». وتساءل: «كيف لنا أن نقدّم أسماءً والأراضي الزراعية في المنطقة يتم استئجارها من أكثر من شخص؟». وأضاف: «إن وزارة الصحّة لم تتابع هذه الحال الشاذة والمضرّة بصحّة الإنسان». وخلص إلى «أن المعالجة الفعليّة تتم بإقامة محطات تكرير للصرف الصحّي وتفعيل دور الرقابة من جانب الوزارات المعنيّة (الصحة والزراعة والبيئةبدوره، أكد رئيس بلدية حوش سنيد عاطف القرصيفي: «أن جميع القرى التي تقع أراضيها على ضفتي مجرى الليطاني تستخدم منه مياه الصرف الصحّي لري المزروعات على اختلافها، وذلك بإقامة حُفر كبيرة تستوعب كميات ضخمة من المياه، ومن ثم تركيب مضخات لجرها إلى أماكن بعيدة نسبياً»، واستثنى القرصيفي أراضي القرى المرتفعة والبعيدة عن المجرى.
المهندس أسامة شحادة صاحب شركة الريف التجارية للمخلّلات (الكبيس) ـــــ حوش سنيد ــــ أشار الى أنهم لا يُدخلون إلى شركتهم منذ ثلاث سنوات أياً من المزروعات المنتجة من الأراضي المجاورة لمجرى الليطاني، وبخاصة أنهم عرضوا عيّنة منها على مختبرات خاصة وثبت وجود جراثيم وملوثات سامة فيها»، وقال شحادة: «تكبدنا خسائر فادحة في إحدى السنوات الماضية نتيجة ظهور روائح كريهة في الكبيس».
وأوضح: «أنهم أقاموا مشاريع زراعية خاصة لهم في بلدتي شعث وطليا، لأنهما بعيدتان عن الليطاني وملوثاته». وأضاف شحادة أن الأراضي التي تستفيد من المياه الآسنة الموجودة في الليطاني هي تلك المحاذية للمجرى وذلك بدءاً من حزين وحوش سنيد وحوش الرافقة، مروراً ببدنايل وقصرنبا وتمنين التحتا، وصولاً إلى بحيرة القرعون حيث توجد محطة لتكرير الصرف الصحي».

مخاطر ملوثات الصرف الصحي

دراسة علمية حديثة، مصدرها فرنسا، أثبتت أن استخدام مخلفات الصرف الصحي في المجالات الزراعية يمثّل خطراً على صحة الإنسان والحياة البيولوجية لما تحتويه هذه المخلفات من عناصر مدمّرة للبيئة الزراعية كالبوتاسيوم والفوسفور والكروم والكادميوم، وجميعها عناصر سامة ومهلكة للخلية الحيوية.
المهندس حسني الطقش حذّر «من خطر حقيقي على صحّة الإنسان نتيجة استخدام مياه الصرف الصحي في تسميد المزروعات». وشرح: «أنه بعد فصل المعلّقات الصلبة عن مياه الصرف الصحي، اتّضح وجود فلذات ثقيلة مثل الزئبق والرصاص والزنك التي تترسب في الجسم والجهاز العصبي، مما يسبب الشيخوخة المبكرة وانخفاضاً في العمليات الحيوية بجسم الإنسان». وتابع الطقش: «أن الدراسات الطبية في شأن هذه الملوّثات العضوية والكيميائية بمياه الصرف الصحي أثبتت أنها تسبب الإصابة بالأورام والفشل الكبدي للأفراد نتيجة تناول الخضروات والفواكه المسمّدة بها». وأكد الطقش: «أن المزروعات الدرنية التي تدفن في الأرض مثل البطاطا والجزر هي الأكثر عرضة لانتقال المعادن السامة والسموم الصناعية العضوية من الأوحال إلى سطح التربة، كما أن أوراق النباتات مثل الخس والسبانخ والكرنب والجرجير وغيرها تتلوث أجزاؤها المورقة بالملوثات العضوية (المعادن السامة الهيدروكربونات المكلورة الشديدة السمّية) وذلك نتيجة تبخرها من الأوحال بفعل انحلال المركبات العضوية بسبب الظروف الطبيعية».

ضمائر حيّة

«الحسّ بالمسؤولية» «والتمتع بالضمير المهني» ميزتان لم تغيبا عن عدد كبير من مزارعي المنطقة الذين فضّلوا الخسارة على المساهمة في تفشّي الأمراض. فيقول شفيق حمية: «أنا مزارع منذ عشرين عاماً، أعتبر نفسي ملتزماً احترام مهنتي وزبائني، فكيف لي أن أروي مزروعاتي من «المجارير» وأعمد إلى بيعها للناس، فلا أخلاقي تسمح بذلك ولا ديني».
وأشار إلى أنه لم يقلع البطاطا اللقيسة خاصته لأنها لم تنضج بعد (قشرتها الخارجية ما زالت رقيقة)، في حين أن المزارعين الذين يروون من مجرى الليطاني اقتلعوها، وقسم منهم باعها».
مزارع آخر كشف: «أن أزمة البطاطا التي حصلت الشهر الماضي كانت ناجمة عن اكتشاف جرثومة مصدرها مياه الصرف الصحي». وأضاف: «أن أحد أكبر مزارعي البطاطا، يعمد دورياً إلى ري مزروعاته بمياه الصرف الصحي، بعد استقدامها، بصهاريج ليلاً من أحد المعامل في البقاع».