باريس ـ بسّام الطيارة


تعتقد باريس بأن التأثير السوري على الملف اللبناني هو أقوى بكثير من التأثير الإيراني، وهذا ما يفسر، بحسب مصدر دبلوماسي فرنسي واسع الاطلاع، سبب توجه الدبلوماسية الفرنسية على أعلى مستوياتها نحو دمشق «عندما أحسّ وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أن الأمور لا تسير نحو الحل في بيروت».
ورغم نفيها وضع خارطة طريق بين فرنسا وسوريا خلال أول لقاء بين الأمين العام لقصر الإليزيه كلود غيان والمسؤولين السوريين، تؤكد المصادر «أنه تم الاتفاق مع المسؤولين السوريين على الآلية التي يعمل عليها كوشنير اليوم»، والتي تتمثل بالضغط الذي مارسته باريس على البطريرك الماروني نصر الله صفير للقبول بوضع لائحة أسماء المرشحين إلى رئاسة الجمهورية.
إلا أن الدوائر الباريسية ترفض الدخول في تفاصيل «ما اتُفق عليه بشأن عمل هذه الآلية»، وهي مثلاً ترفض القول ما إذا كان جرى الاتفاق على ضرورة اختيار رئيس المجلس النيابي نبيه بري والنائب سعد الحريري «اسماً واحداً أو أكثر من اللائحة». وبرغم غياب هذه التوضيحات وتأكيد باريس أن سوريا تقول دائماً للفرنسيين إنها تقبل برئيس يقبل به اللبنانيون، فإن هذه الدوائر لا تتردد في «توجيه إشارات غير مباشرة بأن أسباب العرقلة آتية من دمشق»، وبالتالي تبرير زيارة غيان الثانية إلى دمشق للبحث تحديداً بالوضع اللبناني، علماً بأن هناك ملفات كثيرة على البلدين معالجتها.
هذا التناقض في موقف الدوائر الفرنسية ليس الوحيد، بل يطال أيضاً الموقف من إيران و«حزب الله». فالدوائر المذكورة تتحدث عن الترابط بين مطالب حزب الله «لما بعد انتخاب رئيس الجمهورية» والعرقلة، مع التلميح المبطّن إلى علاقة الحزب بإيران والتذكير في آن واحد بأن «إيران راضية عن فصل الملف اللبناني عن الملف النووي».
ويرى مراقبون أن هذا التناقض سببه «تآكل المدة الباقية لإيجاد حل» يمكن لفرنسا أن تتبناه، وأن الدوائر الفرنسية أخرجت من الأدراج ما يمكن تسميته «الخطة ب»، أي دبلوماسية ما بعد ٢٤ تشرين الثاني الجاري إذا لم يتم التوافق على رئيس.
ويقول مسؤول مطّلع أنه «إذا لم ينتخب رئيس، فإنّ على الرئيس إميل لحود أن يترك قصر بعبدا في التاريخ المذكور منتصف ليل اليوم نفسه، وبالتالي تصبح مقاليد الحكم في يد الحكومة الحالية «التي هي الحكومة الوحيدة على ما نعتقد»، مضيفاً أن حكومة السنيورة «حتى وإن كانت لا تحظى بشرعية سياسية، فإنها تحظى بشرعية دستورية لا يمكن إنكارها، وباعتراف المجتمع الدولي».
وفي هذا السياق، تشير أوساط دبلوماسية عربية في باريس إلى ضرورة التنبه إلى ما بات يسمى بـ«ظاهرة ساحل العاج»، تذكيراً بما حصل منذ سنتين، حين صدر قرار رقم 1721 عام 2006 عن مجلس الأمن بدعم رئيس الوزراء شارل كونان خارج إطار العملية الدستورية المحلية، وهو قرار عدّه البعض آنذاك «أول اجتهاد قضائي دولي» في هذا المجال. ورغم نفي الأوساط الفرنسية «التفكير في هذا الأمر»، إلا أن البعض يرى في التلويح بدعم حكومة «لم يبق من عمرها الدستوري سوى ساعات» إشارة إلى إمكان خروج الأمر من يد الفرنسيين، وعودة الملف اللبناني إلى مجلس الأمن بواسطة الولايات المتحدة الأميركية، التي تؤكد كافة المصادر الفرنسية أن تكليفها الهشّ للفرنسيين ينتهي غداً الجمعة.
وتتخوف الأوساط الفرنسية مما يمكن أن يحدث يوم الجمعة، وتضع خوفها كله «في ما يمكن أن يفعله الرئيس بري»، إذ إن باريس، حسب هذه المصادر، «لا ترى أمام بري إلا أن يفتح باب المجلس إذا اتفق مع الحريري على اسم أو أكثر». وتعتقد أن البطريرك قد قام بما عليه، وتطالب الجنرال عون بقوة «أن يسهّل عملية الانتخاب»، وأن يكون «صانع ملوك» بما أنه «لا يستطيع أن يكون ملكاً».
وتؤكد مصادر متابعة أن الفريق الفرنسي في بيروت يريد بأي طريقة أن «يُفتح باب المجلس»، وأن تصبّ المشاورات المكثفة مع عون، في اليومين الباقيين، على ترك الحرية للنواب للانتخاب والاختيار بين اسمين على الأقل من الأسماء المتداولة حالياً، على أن يسحب فريق الأكثرية الاسم الثالث المتداول. إلا أن ظهور اسم من خارج هذه اللائحة، كما يقول مقرّب من الملف، والاتفاق عليه، بات مقبولاً من الفرنسيين الذين بات كل ما يطمحون إليه هو عدم الوصول إلى يوم الجمعة من دون انتخاب رئيس. ذلك أنّه أيّاً كان الرئيس، يوجد مجال لفرض ميزان قوى، إلا أنه من الصعب الاتفاق مع الفوضى.