جان عزيز


لم تعد الأمور بعد تطورات الأمس إلى نقطة الصفر. فالمعطيات والتحليلات والدلالات تشير إلى غوصها عميقاً تحت نقطة الصفر حتى. ليس الفراغ الرئاسي ما يلوح في الأفق، بل الأسوأ. من العودة إلى الخيارات الأحادية، وصولاً إلى خوف التوتر وخشية التدهور.
بات معروفاً أن الوزير السابق ميشال إده، أمضى نصف ليلة على الأقل، أول من أمس، رئيساً محتملاً، مرجّحاً أو وشيكاً، للجمهورية اللبنانية. أصلاً كان إدّه منذ نحو عشرة أيام، صاحب مشروع الرئيس الانتقالي. وكانت مقاربته للموضوع واضحة، على قاعدة أن المأزق آتٍ لا محال. وأن أسبابه مركّبة بين الداخل والخارج. ففي المحيط لا اتفاق بين دمشق والرياض، ولا بين الأولى وواشنطن، ولا بين الأخيرة وطهران. فكيف لتسوية رئاسية أن تمر في لبنان. أمّا في الداخل، فكانت مقاربة الطرح الانتقالي أكثر تبسيطاً. ثمّة مرشح وحيد للمعارضة اسمه ميشال عون، لا يملك أحد الحق بمطالبته بالتنازل أو التراجع. وفي المقابل، ثمّة أكثرية نيابية قائمة بحكم الأمر الواقع تعرقل وصوله إلى الرئاسة المستحقة... فولدت فكرة رئيس السنتين: لا يعدّل الدستور، بحيث ينتخب «الانتقالي» لست سنوات، ويقترن انتخابه باستقالة خطية مسبّقة تودع في بكركي. لا تتراجع المعارضة عن مطالبتها باتنخابات نيابية، بحيث تنتهي الولاية الانتقالية بعد انتخابات عام 2009. ولا تخسر الأكثرية مطلبها بإجراء الاستحقاق الرئاسي، ضمن المهل الدستورية بحيث يغادر إميل لحود ولا تكون حكومتان ولا الفراغ.
طرح الموضوع على الترويكا الأوروبية، فلم يكن جوابها سلبياً. جالت الفكرة مع الوزير مروان حمادة على أكثر من طرف في الموالاة، فبدت الردود مشجعة. وحده الطرف الأميركي، قيل إنه استطرد ليبحث في تفاصيل الطرح: أي حكومة خلال السنتين المقبلتين، وأي بيان وزاري معها، وكيف يتم التعامل مع المسائل العالقة. علماً أن فلسفة الاقتراح الانتقالي كانت تقوم على «تعليق» الملفات الخلافية، لا مقاربتها فوراً. فبدا أن العرقلة الأولى قد بدأت.
أول من أمس تضاربت المعلومات، وكل طرف كان يجزم بصواب روايته. كان الوزير إده يتناول العشاء عند وليد جنبلاط، بعدما كان الأخير قد أعطى تصريحاً صحافياً واضحاً بتأييد مشروعه. والبعض يقول إن إدّه كان قد زار الرياض في شكل خاطف، قبل وصول النائب سعد الدين الحريري إليها.
قبل لقاء الحريري الرئيس نبيه بري في عين التينة، سرت شائعة تؤكد أن كلمة السر أُعطيت: ميشال إدّه رئيساً يوم الجمعة. وقيل إن مسؤولاً أمنياً سعودياً رفيع المستوى اتصل بأكثر من جهة لبنانية فاعلة لنقل الأمر. مساءً عاد الحريري. كان بعض أركان مسيحيي الموالاة مجتمعين في معراب. تم التشاور سريعاً، قبل أن ينتقل زعيم «المستقبل» إلى عين التينة، ليبلغ رفض حلفائه خيار ميشال إدّه.
بعيداً عن هذه الدقائق الآنية، يقرأ بعض المطّلعين أن أي انتخاب رئاسي كان قد أصبح مستحيلاً، قبل 48 ساعة. لماذا هذا الجزم؟ لسببين اثنين: أولاً على ضوء زيارة الملك عبد الله الأردني إلى دمشق، وثانياً على ضوء أسئلة السفير الأميركي لمضيفيه أول من أمس.
ففي العامل الأول، قرأ المطّلعون أن ثمّة جديداً طرأ على العلاقة الأميركية ـــــ السورية. وهو جديد تأكّد بعد بيان قمة دمشق، وإشارته إلى الدعم الأردني ـــــ السوري للسلطة الفلسطينية. ما يعني أن ثمناً سورياً قد دُفع في ملف الصراع بين غزة ورام الله. فماذا ستقبض دمشق لقاءه؟
وبدا للمطلعين أنفسهم، أن هذا الجديد الأميركي ـــــ السوري، يحتاج إلى الوقت للتبلور وللإنضاج. وهو بالتأكيد غير قابل للترجمة في الأيام الباقية قبل انتهاء الولاية الرئاسية. وبالتالي، بين انفتاح أفق واشنطن ـــــ دمشق على متغيرات محتملة، وبين ضيق الوقت اللبناني، وحده الفراغ الرئاسي يخدم تلك الدوامة. فلا يقدم الطرفان على مواجهة تؤذي رسالة عبد الله إلى دمشق. ولا يقدم واقع لا يمكن العودة عنه، عندما تتضح صورة التفاوض الأميركي ـــــ السوري.
أمّا في العامل الثاني، فيؤكد المطّلعون أن السفير جيفري فيلتمان بدا للمرة الأولى منذ أكثر من سنة، مهتماً أول من أمس بالاستماع إلى الكلام عن الحكومة الانتقالية.
ويؤكد المطلعون أن خيار الفراغ كان قد تحوّل منذ أيام قراراً خارجياً ساري المفعول. حتى إن الكثير من ترتيباته العملية كان موضع بحث وجهوزية. فبعد قطيعة طويلة عاد فيلتمان إلى بنشعي، لوصل ما كان قد بُتر. والأهم لتكييف دوره مع مرحلة التعايش مع الفراغ. حتى إن السفير الأميركي الذي غادر منزل رئيس تيار المردة في زيارته ما قبل الأخيرة قبل أشهر طويلة مستاءً، بدا أمس متودّداً. والأمر نفسه كان موضع ترتيب في الرابية. لا عداء. لا استفزاز. لكن في الوقت نفسه، لا استعداد لحل. ولا جهوزية لتسوية، حتى في ربع الساعة الأخير.
والتحضيرات العملانية نفسها لإدارة الفراغ، كانت قد رُتّبت في اليرزة. استنفار عسكري كامل. خطة طوارئ في خط ساحلي يتعدى الكيلومترات الثلاثين، وبعمق يشمل معظم جبل لبنان. مع حديث عن إعلان شبه رسمي للحالة الاستثنائية، واحتمال فرض حظر التجوال ليلاً.
أمّا في السرايا، فتُستكمل ترتيبات الفراغ. في الشكل تحصين للمبنى والمداخل وحتى الأبواب الداخلية بين مكتب وآخر. وفي المضمون استعداد لورشة سياسية إدارية يطلقها فؤاد السنيورة، عبر سلسلة من اللجان المستحدثة واجتماعات العمل، للإيحاء باستمرار الدولة، وللتلويح بالقرارات القيصرية المحتملة لاحقاً، من تعيينات إدارية، وصولاً إلى ملء الشواغر الوزارية.
هل قضي الأمر، ودخل لبنان مرحلة فراغه الرئاسي؟ وهل تكون هذه المرحلة مضبوطة بالكامل، وفق الإيقاع الأميركي، على ضوء ترقّب ما بعد عبد الله في دمشق؟
في السؤال الأول، تبدو عوامل عدة مغايرة، أبرزها ما قد يستجد من لقاءات، وفي الرابية تحديداً. ومنها حركة الرئيس أمين الجميل في اتجاه بنشعي ومعراب والرابية، في محاولة أخيرة لنسج اتفاق مسيحي يذلّل المطبّات الأخرى.
أمّا في السؤال الثاني، فمَن يضمن هدوء الفراغ في ظل نفوس مشحونة، وفوق أرض تعجّ بالسلاح، وخطوط التماس الواقعية، التي تنتظر أقل من شرارة أو شائعة، لتثبّت أكثر من خط أخضر جديد، في زمن أسود مستعاد ومتكرر.
المرة الأولى مأساة. المرة الثانية ملهاة. قول ماركسي، لا يجيد ترجمته إلاّ مجتمعات ما قبل الآلة والتنوير والثورة والتاريخ.