نقولا ناصيف


إذا صحّ أن «كلمة السرّ» وصلت إلى بيروت، وأن «الوحي» فاجأ الجميع، وأن قوى 14 آذار، في ضوء الموقف المعلن البارحة لتيار المستقبل، ستؤيد انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، فإن الخروج من مأزق الفراغ الدستوري وشغور الرئاسة الأولى يوجب على الموالاة إجراء مراجعة نقدية شاملة وقاسية للطريقة التي أدارت بها الاستحقاق الرئاسي منذ ما قبل بدء المهلة الدستورية في 24 أيلول الفائت، وصولاً إلى مسؤوليتها، كما مسؤولية المعارضة، عن تعذّر الاتفاق على خلف للرئيس السابق إميل لحود.
وتفضي هذه المراجعة إلى تسجيل مآخذ أبرزها الآتي:
1ـــــ إن قوى 14 آذار، وأركانها خصوصاً، مدينة بالاعتذار من أربعة من أعضائها هم أركان فيها أيضاً: الوزير محمد الصفدي، النائبان بهيج طبارة وبطرس حرب، النائب السابق نسيب لحود.
الأولان، الصفدي وطبارة، لأنهما تمسّكا لأسباب مبدئية بنصاب الثلثين لالتئام مجلس النواب بغية انتخاب رئيس جديد للجمهورية، واعتبرا أن الخروج على هذا النصاب، الموصوف، لا يمسّ الدستور وينتهكه، وكذلك الممارسة الطويلة التي رافقت الاستحقاقات الرئاسية المتعاقبة فحسب، بل أيضاً الوحدة الوطنية والاستقرار الداخلي من خلال انتخاب رئيس بنصاب ناقص. خُوّنا وقيل إنهما أساءا إلى وحدة الغالبية وأضعفا موقفها التفاوضي في حمأة الخلاف والتشنج السياسي، وجرّداها من سلاح أمضى هدّدت به هو نصاب النصف الزائد واحداً لانتخاب الرئيس الجديد من باب المناورة على الأقل لإمرار مرشح من صفوفها.
سمع الصفدي وطبارة الكثير من هذا الكلام. الأول دافع عن وجهة نظره في مواجهة سعي حلفائه إلى تفكيك التكتل الطرابلسي، والثاني لزم الصمت. مع معرفة الرجلين وزر موقفيهما المتحفظ عن نصاب الأكثرية المطلقة لكونهما سنيين، ولأن لكل منهما موقعه الجدير بالاحترام داخل هذا الائتلاف العريض. فإذا بقوى 14 آذار تقرّ بعجزها عن التفرّد بانتخاب رئيس للجمهورية بنصف نصاب، وتجد نفسها وقد افتقرت إلى دعمين ضرورين لاعتماد هذا النصاب من واشنطن وبكركي في آن واحد. وسمع أركان بارزون فيها السفير الأميركي جيفري فيلتمان يخاطبهم بأن إدارته تدعم نصاب النصف الزائد واحداً إذا وافق عليه البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير. وهكذا سلّمت الغالبية بمغزى ما كان رمى إليه الصفدي وطبارة عبر مناداتهما بنصاب الثلثين، وهو انتخاب رئيس توافقي.
بسبب ذلك تدين لهما قوى 14 آذار بالاعتذار.
والآخران، حرب ونسيب لحود، لأنهما ترشّحا للاستحقاق الرئاسي وأدار كل منهما، وحده، حملته الانتخابية وفق برنامج صفّق له حلفاؤهما، لكن من غير أن يلقيا الدعم الجدي الذي يتجاوز المناورة: مرة بتطمين الفريق الآخر إلى أن حرب هو مرشح توافقي، ومرة بتخويف الفريق الآخر من نسيب لحود على أساس أنه مرشح تحدٍّ ومرشح النصف نصاب وتصفية الحساب السياسي والشخصي. وفي واقع الأمر، كان أول تخلٍّ لقوى 14 آذار عن المرشحين الأكثر استحقاقاً وثباتاً وانفتاحاً ـــــ وقد رسما صورة غير تقليدية عن المرشح الجدير بالتقدير ـــــ أن كلاً من أركان هذه القوى كان يتحدث في أوساطه المغلقة عن مرشح دون آخر، ويعدّه مرشحه هو، من غير أن يسوق تبريراً للمفاضلة سوى الأسباب الانتخابية أو الجغرافية أو تلك المتصلة بردود فعله وشبكة علاقاته الخارجية. وكذلك من غير أن يقرن الأركان هؤلاء موقفهم بقياس محدد للمفاضلة، ومن غير أن تناقش معاييرها في الاجتماعات الموسعة للغالبية.
ثم كان التخلي الآخر عند الخوض في لائحة البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير انطلاقاً من الفئة الثانية للمرشحين في اللائحة، أي النائب روبير غانم والوزيرين السابقين ميشال إده وميشال الخوري. وبدا أن إدراج اسمي حرب ونسيب لحود في اللائحة كان كي يتبادلا والرئيس ميشال عون إلغاء أحدهما الآخر وإخراجهم جميعاً سلفاً من السباق الرئاسي، الأمر الذي لم يكن قد قرّره أركان قوى 14 آذار عندما فتحوا باب الترشيح أمام مَن يشاء من الأعضاء الراغبين. بذلك استخفت قوى 14 آذار بترشيح حرب ونسيب لحود من غير أن تخوض معركة حماية ترشحهما والدفاع عنه، ومن دون أن يصارح أركان 14 آذار بعضهم البعض الآخر بأنهم سينبذون يوماً الترشيحين ويقبلون بما كانوا قد رفضوه في بداية الحملة الانتخابية، وهو الانتقال بهذه من الإصرار على مرشح من قوى 14 آذار إلى الموافقة على انتخاب مرشح توافقي تتعارض مواصفاته وما يتمتع به حرب ونسيب لحود، على نحو ما أشيع. فإذا بحرب يضع ترشيحه في عهدة البطريرك، ويلتزم نسيب لحود الصمت.
ولعلّ المفارقة ـــــ إذا صدق أن «كلمة السر» بالعماد سليمان قد وصلت إلى بيروت ـــــ أن قوى 14 آذار ستقترع بالطريقة التي استهجنتها قبل أسابيع عندما هاجم بعض نوابها قائد الجيش، الخارج من غبار معركة مخيم نهر البارد ضد «فتح الإسلام»، بحضه تارة على إعادة جنوده إلى ثكنهم، وطوراً على عدم التدخّل في السياسة. رفضوا مسّ الدستور كي لا يكرّس الحق السياسي لقائد الجيش في الوصول إلى رئاسة الجمهورية. ولم يتوان بعض هؤلاء عن التشهير بسليمان: بسبب تبرئته سوريا من أحداث مخيم نهر البارد، وبسبب استمرار علاقته بدمشق في سياق التنسيق الذي لم ينقطع بين الجيشين اللبناني والسوري رغم ما حصل في السنتين المنصرمتين. وكان بينهم مَن همس أيضاً في أذن السفير الأميركي أن قائد الجيش اتصل بالرئيس السوري بشار الأسد في تموز الفائت لتهنئته بإعادة انتخابه ولاية ثانية. همسوا في الأذن التي اعتادت أن تحفظ ما تسمع أن سليمان يوازن بين شارع الشرعية الدستورية وشارع المعارضة.
بل إن المفارقة اللافتة أيضاً أن قوى 14 آذار، إذ تدعم تعديل الدستور، تتخلى عن المرشحين اللذين صوّتا دائماً ضده: حرب عامي 1998 و2004، ونسيب لحود أعوام 1995 و1998 و2004.
بسبب ذلك تدين لهما قوى 14 آذار بالاعتذار (مع أن لنائب البترون حقاً إضافياً بالاعتذار منه جراء موقفه من الإصرار على نصاب الثلثين أيضاً).
2 ـــــ لم تكن قوى 14 آذار مستعدة تماماً لخوض الاستحقاق الرئاسي، وهي خارجة لتوّها من أكثر من معركة سياسية انتصرت فيها على المعارضة، بدءاً بإقرار المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مروراً بصدور القرار 1701 ونشر الجيش في الجنوب وشل فاعلية الاعتصام في وسط بيروت وصمود حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في مواجهة أحداث الشغب بعد استقالة الوزراء الشيعة، وصولاً إلى انتصار الجيش اللبناني في معركة مخيم نهر البارد بعدما تحفّظ حزب الله عن خوض المعركة العسكرية هذه. وبدا أن الغالبية تريد من خوض الاستحقاق الرئاسي ـــــ على طريقة إقرار المحكمة الدولية ـــــ الانتصار على دمشق أكثر منها على حلفائها اللبنانيين بالتعويل على المجتمع الدولي في تشديد عزلته على سوريا، وفرض انتخاب رئيس من صفوفها يكون بمثابة قطع أي تأثير مباشر وغير مباشر لدمشق في الاستحقاق الرئاسي.
وهكذا كانت صاحبة المبادرة التي تقضي بأن تكسب معركتها السياسية في الأسابيع الأولى من المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس، فإذا بالسجال والاشتباك السياسي يجعلان المعارضة، وهي الطرف الآخر في التفاوض، تستنزف المهلة الدستورية لفرض شروطها. بذلك كسب رئيس المجلس نبيه بري الرهان على فرض مواصفات المرشح التوافقي مدخلاً وحيداً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
وفي واقع الأمر كان الخطأ الفادح لدى قوى 14 آذار قبولها بالاحتكام إلى لائحة البطريرك الماروني، ورفضها في الوقت نفسه المرشح الأكثر قرباً منه، وهو الوزير السابق ميشال إده. فاوض أركانها في السرّ على تعديل الدستور لانتخاب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعدما رفضوا هذا الحق سابقاً لقائد الجيش، وفي العلن على النائب روبير غانم. ولم تنتظر الغالبية وقتاً طويلاً حتى بيّنت للمعارضة صحة مخاوفها من الترشيح الغامض، والمميّز، لغانم إذ طرح ترشيحه توافقياً، لا ينتمي إلى أي من طرفي النزاع، فإذا به يشارك في اجتماع قوى 14 آذار في فندق فينيسيا عشية الفراغ الدستوري.